المركز العالمي للدراسات والتدريب
  • الرئيسية
  • قضايا إسلامية
  • الدورات
  • المحاضرات والمقالات
  • إصدارات المركز
  • المؤتمرات والسمنارات
  • مجلات
  • من نحن
المركز العالمي للدراسات والتدريب
  • الرئيسية
  • قضايا إسلامية
  • الدورات
  • المحاضرات والمقالات
  • إصدارات المركز
  • المؤتمرات والسمنارات
  • مجلات
  • من نحن

مواد مكتوبة

مجموعة مقالات سؤالات النهضة من المشروع الدستور قراءة في المسار واستشراف للمآل


.       📚 ✒️ 📚

     *ملتقى العلماء (معا)*

*SCHOLARS FORUM*

     السودان - الخرطوم

*======مقدمة======*

*[[كتاب في مقالات] ]*

*🌴 سؤالات النهضة من المشروع الى الدستور*

*قراءة في المسار وإستشراف للمآل🌴* 

   

ياتي هذا الكتاب ليتناول قضايا النهضة من بعد هذا المسير الممتد، والذي يؤطر هذه الدراسة من لدن نداء جمال الدين الأفغاني الى فكرة مالك بن نبي وحتى منهج د.جاسم سلطان، ومابين ذلك من فكر وفعل وتجربة، (الإسلامي، واليساري والقومي)،،

تعتبر النهضة في العالم الإسلامي منذ القرن التاسع عشر وحتى القرن الحادي والعشرين واحدة من أهم المراحل  الفكرية والسياسية والإجتماعية التي أثرت على مستقبل الأمة. فقد ارتبطت النهضة بسؤال مركزي، لماذا تخلف المسلمون مقارنة بالدول الغربية، وكيف يمكن استعادة القدرة على التطور الحضاري والسياسي والإجتماعي؟

وكيف يمكن إستلهام التاريخ بخصوصيته وإستصحاب التجربة الانسانية بمنتوجها والحفاظ على الهوية بحاكميتها 

تاريخيًا، واجهت المجتمعات الإسلامية أزمات متشابكة: الهيمنة الاستعمارية الأوروبية وضعف المؤسسات التعليمية والإجتماعية والعسكرية، الجمود الفكري والضعف الفقهي، ثم الفجوة التكنولوجية والعلمية بين الشرق والغرب. هذه الأزمة دفعت المفكرين إلى البحث عن حلول شاملة تُعالج أسباب التخلف من جذورها، وتشمل الإصلاح الفكري والفقهي والاجتماعي والسياسي.

برزت عدة مشاريع نهضوية كان لها تأثير كبير على الفكر النهضوي ، من بينها مشروع جمال الدين الأفغاني، الذي ركّز على الإصلاح الديني والسياسي وتوحيد الأمة لمواجهة الإستعمار، إلى مشروع مالك بن نبي الذي ركّز على بناء الإنسان والمجتمع كشرط أساسي للنهضة، وصولًا إلى مشروع جمال سلطان الذي ربط النهضة بالتاطير المنهجي وصلا بالدولة والدستور، معتبرًا أن النهضة تتطلب مؤسسات قوية وآليات دستورية واضحة لضمان إستمراريتها.

على المستوى المقارن،  تظهر تجارب أوروبا وآسيا أن نهضتها لم تكن ممكنة بدون تطوير مؤسسات الدولة  تحديث التعليم، صناعة التكنولوجيا، وتأسيس دساتير قوية تحمي الحقوق وتضمن إستمرارية المؤسسات. سيحلل هذا الكتاب  وهو (كتاب في مقالات)  بالتفصيل مسار النهضة من المشروع الفكري إلى الدولة والدستور، وهنا نقصد دستور النهضة وليس دستور دولة بعينها، إستعانة بالمنهج التاريخي المقارن والتحليل الإجتماعي والسياسي والفكري،

نواصل 





     *المقال الثاني*  

*الأبعاد الثلاثة واطار القراءة* 

*بين الفكري والايدولوجي والسياسي* 

*.....     .....       .......*

يتناول هذا النص الأبعاد الثلاثة التي تشكّل الواقع المعاصر، وهي الأبعاد الفكرية، الإيديولوجية، والسياسية. وفق ماسارت  عليه هذه الدراسة، تتسم هذه الأبعاد بالتداخل والتفاعل، حيث تؤثر كل منها في الأخرى، مما يستدعي دراسة معمقة لفهم التحديات التي تواجه المجتمعات اليوم 

اولا، البعد الفكري،

واتت القراءة من خلال ثلاث شخصيات مثلت نقلات مفصلية في مسيرة مشروع النهضة، ،

 الشيخ جمال الدين الأفغاني

يعتبر الشيخ جمال الدين الأفغاني(1838-1897) رائد النهضة الفكرية الإسلامية الحديثة. كانت رؤيته المركزية تدور حول "إحياء الأمة" والتصدي للتحديات الغربية. قدم الأفغاني أفكارًا رائدة شملت أهمية الوحدة الإسلامية وتأصيل الهوية والدعوة للجامعة الإسلامية، 

.. الفكر الكلي والخيال..

اعتمد الأفغاني على مفهوم "الكليات" التي تتجاوز التفاصيل لتلامس الواقع الأعمق.وربما تلاحق الخيال دعا إلى ضرورة الوعي بالفجوات الحضارية التي يعاني منها العالم الإسلامي، مثل الفقر والجهل والتخلف وعوامل ذلك ،وسوف نفصل هذه الروية لاحقا 

...مالك بن نبي....

شغل المفكر الجزائري مالك بن نبي (1905-1973) حيزًا مقدرا في التفكير الإسلامي العصري. بنى على أفكار الأفغاني وأضاف إليها من خلال:

إيجاد معادلة فكرية تنسجم مع واقع الأمة،، 

- الوعي بالتحديات المحيطة بالأمة، والعمل على التعامل مع هذه التحديات بتفكير حضاري.

وتنسب له نظرية القابلية للاستعمار

أسس بن نبي نظريته حول "القابلية للاستعمار"، حيث أكد أن الاستعمار ليس مجرد احتلال عسكري راسمالي ، بل يعكس أيضًا حالة نفسية وثقافية يمكن التغلب عليها.

 ...جاسم سلطان...

الدكتور جاسم سلطان قدم مقاربة منهجية جديدة، حيث سعى إلى:

- تحقيق النهضة من خلال الفهم العميق للواقع.

- استيعاب التراث واستخدام أدوات التغيير المعاصرة، مما يساهم في بناء خريطة فكرية واضحة مع استصحاب خصوصية المرحلة 

ثانيا البعد الإيديولوجي،ويشمل 

[ الحركات الإسلامية]

تجسد الحركات الإسلامية قراءة مركزية للواقع وتسعى إلى:

- التغيير السياسي من خلال سؤال الحاكميّة.

- اعتبار الإسلام منهجًا شاملًا لكل مناحي الحياة.

تطرح الحركات الإسلامية رؤية تضع التحديات الحضارية في مقدمة أولوياتها وتعول على فكرة التفاف الأمة حول مشروعها السياسي.

[ التيار العروبي]

يدعو التيار العروبي إلى تحقيق وحده عربية لمواجهة التحديات. يبرز هذا التيار بصورة خاصة في:

- تسليط الضوء على القضايا الأساسية كالوحدة والتصدي للاطماع الاستعمارية.

- نشر فكرة الأمة الواحدةذات الرسالة الخالدة.

  ثالثا البعد السياسي

يتشعب البعد السياسي في تمثيل السلطة بمختلف أبعادها، بما في ذلك:

- السلطة العسكرية والاجتماعية والديمقراطية.

- تأثير الأعراف والتقاليد المجتمعية التي قد تتفوق على الشعارات السياسية.

..استمرارية الدولة..

تسعى الدول، بالاعتماد على السلطة والحفاظ على الهيبة، إلى تجنب الانهيار. وهذا يخلق تناقضًا بين الأبعاد الثلاثة، حيث يسعى كل بعد إلى فرض رؤيته على الواقع.على اختلاف في درجات ذلك، ،

تشكل الأبعاد ، الفكرية، الإيديولوجية، والسياسية نسيجًا معقدًا يمثل الواقع المعاصر. مما يستلزم  مزيدا من البحث والدراسة من قبل المفكرين، لإيجاد معادلات تساهم في فهم أفضل للواقع، وتقديم حلول فعّالة للتحديات المعاصرة.

هذا الإطار للدراسة لايتخذ موقفا محددا من الشخصيات التي مثلت مفاصل البعد الفكري وانما هي نموذج واضح لمراحل الانتقال،  كما سوف يظهر ذلك من خلال الدراسة 




*🎋[[ جذور الصراع ومعوقات النهضة ]]🎋*

*...    المقال الثالث ......*


لاشك أن القوى الغربية 

 الأوروبية هي التي حاربت الإسلام "بعنف وإصرار وشراسة".وقد تناول ظاهرة الاستعمار عدد من المفكرين. انور الجندي، عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني  اجنحة المكر الثلاثة،ومحمد البهي في مجموعة من كتبه وغيرهم يرون ان هذه القوى أحست منذ ظهور الإسلام أنه قد يسيطر على مناطق كانت تحت نفوذها (كالشام ومصر وأفريقية)، وأن اندفاعة الإسلام نحو أوروبا عبر القسطنطينية وشبه جزيرة إيبيريا كانت مصدراً لقيام "فكرة استعمارية صليبية". يوضح هذا أن الصراع مع الغرب هو صراع وجودي على الهيمنة الروحية والسياسية المتبادلة، ويهدف إلى "محق قيم الإسلام والحيلولة بينه وبين النفاذ إلى قلب أوروبا". إن هذا التباين في النتائج يؤكد أن الصراع المستمر مع الغرب لم يكن حول حدود أو مغانم عابرة، بل كان تحدياً حضارياً عميق. المرحلة الأولى: جذور الصراع في الحروب الصليبية (1099 - 1291)

تأخذ الحركة الصليبية، التي بدأت في عام 1099 بالهجوم على بيت المقدس واستمرت مع ثماني حملات كبرى وصولاً إلى سقوط عكا عام 1291، تأخذ طابع التحدي الذي طبع عالم الغرب سياسياً واجتماعياً وثقافياً. وقد استمرت هذه الحركة في التخفي والظهور لقرون، وفق خطة لم تمت. ويمكن تقسيم هذه الحملات الكبرى ومسرح عملياتها كالتالي:

• الحملة الأولى (1099): استهدفت بيت المقدس.

• الحملة الثانية (1147) والثالثة (1188): استهدفتا ساحل الشام.

• استرجاع بيت المقدس (1187): على يد صلاح الدين الأيوبي.

• الحملة الرابعة (1203): استهدفت القسطنطينية.

• الحملة الخامسة (1217) والسابعة (1249): استهدفتا عكا ودمياط، حيث استولى الصليبيون على دمياط عام 1219، ثم انسحبوا من مصر عام 1221، قبل أن يلحق بهم الهزيمة في المنصورة عام 1250، وتصادف ذلك مع مقتل توران شاه وتولي المماليك الحكم.

• الحملة السادسة (1228): تمثلت في استعادة بيت المقدس (بواسطة فريدريك الثاني).

• استرجاع بيت المقدس (1244): على يد الملك الصالح.

• الحملة الثامنة (1289): استهدفت تونس.

• سقوط عكا (1291): في أيدي المسلمين (الأشرف خليل).

وفي موازاة ذلك، شهدت الأندلس معارك مصيرية مثل معركة الزلاقة عام 1086، ثم معركة الأرك عام 1196، وصولاً إلى سقوط غرناطة. وهنا نشير إلى دلالة مقولة اللنبي و توحيد الصليبية والاستعمار

لقد بلغ هذا الصراع ذروته الرمزية في العصر الحديث حين دخل اللورد اللنبي على رأس قوات الغرب الغازية إلى القدس عام 1917. في تلك اللحظة، أعلن الجنرال اللنبي كلمته التي "عبرت عن ضمير الغرب وفكره إزاء الإسلام وعالمه حين قال 'اليوم انتهت الحروب الصليبية'". تشير المصادر إلى أن اللنبي دخل القلعة ممتطياً صهوة جواده يوم 9 ديسمبر 1917م 6، ليؤكد أن هذا الاحتلال العسكري الحديث هو استكمال لمشروع صليبي تاريخي.

إن هذه الكلمة، التي قيلت بعد هزيمة القوات التركية، ربطت الاستعمار البريطاني الحديث بذاكرة الحملات الصليبية القديمة، مما يمثل تأييداً قوياً لأطروحة الجندي عن الاستمرارية الإيديولوجية. ويُضاف إلى ذلك أن التداعيات الجيوسياسية لهذا الاحتلال كانت مرتبطة بأهداف دينية وسياسية معقدة، حيث جاءت بالتزامن مع وعد بلفور (نوفمبر 1917)، المدفوع جزئياً بالتقاليد البروتستانتية التي آمنت بضرورة عودة اليهود إلى فلسطين كمقدمة لعودة المسيح المنتظر. بالتالي، فإن دخول اللنبي لم يكن إعلاناً بانتهاء الحرب العالمية الأولى في تلك الجبهة، بل إعلاناً عن انتهاء فصل تاريخي طويل (بدأ في 1099) وبداية فصل جديد 

، مما يؤكد أن فلسطين أصبحت نقطة الارتكاز التي أثبتت أن الصراع لم يكن على الحدود، بل على الوجود الحضاري 

 التوسع الاستعماري والتحول إلى المسار البحري ففي (1407-1939)

بعد سقوط عكا (1291م)، واجهت أوروبا فشلاً في جبهة الشرق الأوسط، وبدأت تسعى إلى الالتفات جنوباً. وفي القرنين الثالث عشر والرابع عشر، سعت أوروبا لتنصير المغول لحصر الإسلام بين دولتين مسيحيتين، بل واتصلت بالحبشة النصرانية للقضاء على مركز المقاومة الإسلامية في مصر. ومع ذلك، انهار هذا الحلم الخادع بتحول  فارس إلى الإسلام عام 1316م وإسلام أهل آسيا الوسطى، مما أدى إلى اتساع رقعة الإسلام وظهور الأتراك العثمانيين.

في مواجهة إغلاق طريق البر أمام المسيحية، "تراءى أمل جديد للغرب الذي لا ييأس"، وهو سلوك طريق البحر لمهاجمة الإسلام "من الخلف" وتطويقه. كان هذا هو السبب وراء الرحلات الاستكشافية التي قادها ملاحون حملوا الصليب على صدورهم، معتقدين أنهم بعبورهم بحار الهند يسعون لتخليص الأراضي المقدسة. بدأت هذه المرحلة الزمنية بسقوط طنجة في قبضة البرتغاليين عام 1407م وسقوط غرناطة في قبضة الإسبان عام 1492م، واستمرت حتى غزو موسوليني عام 1939. هذا التحول يمثل اعترافاً أوروبياً بقوة الجبهة البرية الإسلامية في ذلك الوقت، مما دفعها لتبني استراتيجية جيوبحرية هدفها القفز على الحدود واستهداف الأطراف الإسلامية البعيدة.

.استراتيجية التطويق الاقتصادي والشركات التجارية

أشار أنور الجندي في كتاباته إلى أن احتلال بريطانيا للهند وهولندا لجاوة وأرخبيل الملايو كان "الخط الأول لتطويق عالم الإسلام". هذا التطويق تم تنفيذه عبر أذرع رأسمالية-استعمارية منظمة هي :

1. شركة الهند الشرقية: أسس الهولنديون شركتهم الشرقية عام 1600، وأسس البريطانيون شركتهم عام 1613. لم تكن هذه الكيانات مجرد مؤسسات تجارية، بل كانت جيوشاً وسلطات إدارية تعمل بالنيابة عن الدول الأوروبية.

2. السيطرة على الموارد: استولى الهولنديون على سيلان (1653) وجاوة (1680). وبعد إتمام حركة التطويق، تحولت هذه الشركات إلى استعمار صريح، حيث وقعت إندونيسيا في قبضة الاستعمار الهولندي عام 1798.

وهذا يمثل نموذجاً مبكراً للهيمنة الاقتصادية المدمجة بالقوة العسكرية، حيث تم استخدام رأس المال لتنفيذ خطة إيديولوجية-استراتيجية، مما يدل على عمق التخطيط الأوروبي الذي استمر لقرون. لم يكن التطويق جغرافياً فحسب، بل كان اقتصادياً يهدف إلى إفقار العالم الإسلامي وإلغاء دوره كمركز تجاري عالمي.

ثم كان  استهداف تركيا 

ونواصل 





.       


*،،، جذور الصراع ومعوقات النهضة،،،*

 

      *المقال الرابع*


*.....     .....     ......*

ثم كان  استهداف الخلافة العثمانية،وهي الأثر الاخير من معالم الوحدة الاسلامية، مع استصحاب الحال حينها، 

وهكذا بعد إحكام التطويق،  ركز الغرب ثقله على "تمزيق قاعدة الإسلام الدولة العثمانية". استمر هذا العمل من سنة 1684 إلى 1818، وتنافست فيه فرنسا وروسيا وبريطانيا. كان الهدف المشترك هو "القضاء على كل قوة جديدة" ذات صبغة إسلامية.

تمثلت استراتيجية التمزيق في عدة خطوات:

☑️1 التطويق الجغرافي، تطويق العالم الإسلامي والسيطرة على الهند وأرخبيل الملايو.

☑️2 التفتيت الداخلي والخارجي، تمزيق الدولة  العثمانية من الداخل بفرض النفوذ عبر الامتيازات الأجنبية. ومن الخارج، اقتطاع الأجزاء واحد تلو الأخر، مثل تقسيم روسيا للأراضي بعد عبور القوقاس وبسط سلطانها على أواسط آسيا.

☑️3 تنازع السيطرة السيطرة على فارس والعمل على شق قناة تربط البحر الأبيض بالبحر الأحمر، وهو ما يمثل ذروة الأزمة الكبرى المكملة للحروب الصليبية.

 لاشك أن العدوان كان منهجياً ومتزامناً من قوى أوروبية متعددة، مما يدل على الطبيعة العالمية للصراع. وقد تميزت هذه المرحلة بتوسع استعماري ضخم  شمل قوى إيبيرية (إسبانيا والبرتغال)، وروسية قارية، وقوى الأطلسي (فرنسا وبريطانيا وهولندا)، وإيطالية متأخرة.

غزو  (البرتغال وإسبانيا)

بدأ الهجوم بعد عودة سلطة المسيحيين للأندلس (1492م)، وتحول إلى شمال وغرب إفريقيا، والشرق الأقصى.

• الغزو البرتغالي ،بدأ باستيلاء البرتغال على طنجة عام 1471، تلاها سيطرة فاسكو دي جاما على زنجبار عام 1505. وفي الفترة ما بين 1505-1514، استولت البرتغال على مسقط (1509)، وأكدير (1505)، وأزمور (1513)، والصويرة (1514)، بالإضافة إلى سقوط ملقا بالملايو عام 1511.

. الغزو الإسباني ،استولى الإسبان على غرناطة عام 1492، ثم تتابعت حملاتهم على شمال إفريقيا، فاحتلوا مليلية عام 1497، ووهران عام 1509، وطرابلس الغرب عام 1510. وتوسعت سيطرتهم لتشمل شمال المغرب (1912)،،

وبا يت باعمران (1934).

.. التوسع الروسي القيصري والشيوعي

كانت الجبهة الروسية القارية مهمة للغاية في تقطيع أوصال العالم الإسلامي.

فكانت السيطرة القيصرية المبكرة ،استولى القيصر إيفان الرابع على خانة قازان عام 1552 وعلى أستراخان عام 1554. وامتد الغزو لاحقاً ليشمل سيبريا الوسطى عام 1581 على يد القائد الكوزاكي إيرميك، وجزيرة القرم عام 1773 بعد حروب طويلة.

.احتلال القوقاز وآسيا الوسطى، أنهى الروس احتلال القوقاز عام 1859 بعد ثورة دامت 137 سنة انتهت باستسلام الإمام شامل. وفي آسيا الوسطى، دخل الجنرال الروسي تشيرنايف طشقند عام 1865، وسقطت سمرقند في قبضة الروس عام 1868، وبسطوا حمايتهم على بخارى عام 1918.89ا  استرجعت روسيا الشيوعية في أعوام 1917-1922 البلدان الإسلامية التي أعلنت استقلالها (مثل خيوة، أذربيجان، بخارى، داغستان)، وانتهى الروس من القضاء على ثوار البصماجيين ("الفلاقة التركيين") عام 1928.

ثم الهيمنة الفرنسية والبريطانية والإيطالية

. الغزو الفرنسي  بدأ مبكراً باحتلال جزيرة مدغشقر (1638)، وغزو نابليون لمصر (1792). تكثف الاحتلال في شمال إفريقيا باحتلال الجزائر (1830)، تونس (1882)، وبسط الحماية على المغرب (1912) واستكمال احتلاله عام 1934. وشمل التوسع مناطق أخرى مثل السنغال (1868)، وتمبكتو (1894)، وتشاد (1901)، والنيجر (1907). كما احتلت فرنسا سوريا ولبنان أعوام 1920-1924.10

.الغزو البريطاني ، ركزت بريطانيا على السيطرة على الممرات والمناطق الإستراتيجية. فدخلت نيجيريا (1851)، واحتلت السند (1842) ودلهي (1857) في الهند، وسنغافورة (1836)، ودكا عاصمة البنغال (1765). وفي المنطقة العربية، شنت حملة على مصر (1807)، وضرب الأسطول الإنجليزي الإسكندرية عام 1882 11، ودخلت القاهرة في سبتمبر 1882. وامتد الاحتلال ليشمل عدن (1839)، السودان (1896)، العراق (1917)، وفلسطين (1917).

. الغزو الإيطالي بدأ بالاستيلاء على إريتريا (1882)، وميناء مصوع (1885)، والصومال (1889). وأعلنت إيطاليا الحرب على تركيا العثمانية ونزلت في طرابلس الغرب (ليبيا) عام 1911 12، ثم غزت الحبشة (1936) وألبانيا (1939).

القسم الخامس: ذروة الأزمة وتشكيل الخارطة الجديدة (1914-1939)

. المرحلة الثالثة ، الحرب العالمية الأولى وتفكيك الإمبراطورية (1914-1918)

شكل دخول الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى (1914) فرصة للحلفاء لتنفيذ خططهم لتمزيقها من الداخل والخارج. تكثفت المؤامرات عبر الاتفاقيات السرية (مثل اتفاقية لندن 1915، واتفاقية سايكس-بيكو 1916). ورغم المقاومة التركية في العراق والدردنيل، أدت الثورة العربية (1916) والهجوم المتزامن للحلفاء إلى تقهقر القوات التركية، حيث احتل الإنجليز العريش (1916)، ورفح وخان يونس (1917)، ثم يافا (نوفمبر 1917) والقدس (نوفمبر 1917).6 وفي مارس 1917، دخل الجنرال الإنجليزي مود بغداد.

كانت النتيجة هي انتهاء الحكم التركي للمشرق العربي ليحل محله "استعمار شرس" أوروبي، مما يعني استبدال السيطرة المركزية العثمانية بهيمنة استعمارية بريطانية وفرنسية مباشرة عبر نظام الانتداب.10

. المرحلة الرابعة: فترة ما بين الحربين (1919-1939)  عهد الاسترداد والفتح

بعد أن وضعت الحرب أوزارها (1918-1939) 13، بدأت القوى الاستعمارية في "استرداد" المناطق التي أعلنت استقلالها وتصفية المقاومة.

.الاسترداد الشيوعي (آسيا الوسطى): مارست روسيا الشيوعية سياسة الاسترداد العسكري ضد الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى والقوقاز التي أعلنت استقلالها عقب انهيار النظام القيصري (1917). ورغم نداء لينين وستالين للمسلمين بالحرية والاستقلال في ديسمبر 1917، إلا أن الجيوش الروسية زحفت على هذه البلدان، حاصدة المدن حصداً. استمرت الحرب في بخارى حتى استشهاد القائد التركي أنور باشا في أغسطس 1922، واستمرت حرب العصابات في تركستان حتى 1929.

.استكمال الفتح الغربي  استكملت القوى الغربية سيطرتها على المناطق المستعصية:

فرنسا: فرضت سيطرتها الكاملة على سوريا ولبنان (1920-1924) 10، واستكملت احتلال المغرب (1934) بعد معارك في الأطلس وتفيلالت.

إيطاليا: غزت المناطق الليبية المستعصية (1919-1932) ونفذت حكم الإعدام في المجاهد عمر المختار في مارس 1932.

إسبانيا وفرنسا: تعاونتا في حرب الريف ضد محمد عبد الكريم الخطابي (1921-1926).

القسم السادس  تمثل في ظاهرة المقاومة العسكرية والجهاد من أجل السيادة.





   *المقاومة التحدي والاثار*

  *[[  المقال الخامس ]]*


  وهذه المرحلة هي مرحلة المقاومة العسكرية والجهاد من أجل السيادة

و تُعد حركات المقاومة العسكرية دليلاً مادياً على نظرية "عدم الذوبان" التي تبناها أنور الجندي في كتاباته  التي أشرنا لها، فقد كانت المقاومة متوالية ومستمرة، وشكلت ثمار مرحلة الجهاد التي تحققت في هذه الفترة الاستعمارية.

ومثلت نماذج متقدمة للصمود الحضاري

لقد أفرزت هذه المرحلة عدداً من القادة الذين أصبحوا رموزاً للصمود الإسلامي في جبهات واسعة،وهنا لابد من الإشارة الى ان الخطاب والفعل الجهادي قام به الفقهاء والعلماء ورموز العاطفة الدينية وهذا ماسوف نعيد قراءته في سياق آخر لاحقا، ،

• في القوقاز وتركستان ،قاد الإمام شامل القفقاسي المقاومة ضد الروس (1834-1859)، كما قاد رسول صديق القادري الثوار ضد الروس (1920-1922)، والأمير سعيد عالم وحيدر بامات قادا حركات المقاومة في داغستان وأذربيجان (1920-1922)، وفي بخارى قاد القائد التركي أنور باشا المعركة (1921-1922)

• في المشرق العربي ،،قاد القائد التركي نور الدين بك المقاومة ضد الإنجليز في العراق (1915)، والأصفهاني (1920)، وعرابي باشا ضد الإنجليز في مصر (1882) وفي سوريا، ظهر عبد الرحمن شهيندر وحسن الخراط ويوسف العظم وسلطان باشا الأطرش (1920-1925)، وفي السودان قاد محمد أحمد المهدي  المقاومة ضد  1882,,1899).....

• في المغرب العربي: تزعّم عبد المالك السعدي المقاومة ضد البرتغاليين (1578)، والمولى إسماعيل العلوي ضد الإنجليز (1681). وفي الجزائر قاد الأمير عبد القادر الجزائري الكفاح ضد الفرنسيين (1830-1845)، والحاج أحمد باشا (1838)، ومحمد المقراني (1871). وفي المغرب، قاد الهيبة والشيخ ماء العينين المقاومة ضد الفرنسيين والإسبان (1910-1914)، كما قاد محمد عبد الكريم الخطابي حرب الريف ضد الإسبان والفرنسيين (1921-1926)، وموحى أو حمو  المقاومة في خنيفرة (1917-1928).

• في ليبيا  ،،قاد الإمام السنوسي وعمر المختار  الجهاد ضد الإيطاليين (1911-1932). وفي الصومال، قاد محمد بن عبد الله حسن (مهدي الصومال) المقاومة ضد الإنجليز والإيطاليين (1921).

• في آسيا وجنوب شرق آسيا: قاد عبد الرحمن القادري المقاومة ضد البرتغال و في الفيلبين والملايو (1532)، والإمبراطور المغولي بهادر شاه ظفر ضد الإنجليز في الهند (1857-1858).

يلاحظ أن أبرز حركات المقاومة الطويلة الأمد ظهرت في المناطق التي كانت على أطراف الإمبراطورية العثمانية أو بعيدة عن مركزيتها (مثل القوقاز والمغرب وليبيا)، مما سمح بتكوين قيادات محلية ذاتية (مثل السنوسية) حيث تمكنت من خوض حروب طويلة الأمد، وهو ما يشير إلى أن للموقع الجغرافي والمؤسسات الدينيةالقبلية دوراً حاسماً في استمرارية الكفاح.

وترد الإشارة إلى أن الشعوب التركية والمغولية والتترية والقوقازية والشركسية والألبانية والبنغالية والكردية والبطهانية والمغربية كانت من "أشد الشعوب بأساً في الحروب والقتال". ونتيجة لذلك، لم يستطع الاستعمار إخضاعها إلا بعد خوضه ضدها غمار حروب عديدة دامت عشرات السنين. وهذا يعزز الأطروحة القائلة بأن الكيان الإسلامي، خاصة في مناطقه الطرفية الحيوية، حافظ على مقوماته القتالية والمقاومة.

ثم دخل العالم الإسلامي مرحلة جديدة 

مرحلة تراجع الظل الاستعماري وعصر الاستقلال (1941-1968)

فظهرت حركات التحرر الوطني ونهاية الهيمنة المباشرة (1941-1968)

أدت حركات المقاومة في العالم الإسلامي، والتي اشتدت أثناء الحرب العالمية الثانية (مثل ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق 1941 وثورة المغرب 1944)، إلى إضعاف القوى الاستعمارية التقليدية (بريطانيا وفرنسا).

تميزت هذه المرحلة بظهور قادة وزعماء ورموز أشعلوا جذوة(الوطنية) وقادوا حركات التحرر ومن أبرزهم، محمد الخامس والحسن الثاني (المغرب)، محمد ضياء (السنغال)، أحمد بيللو وأبو بكر تيفاوة (نيجيريا)، موديبو كيتا (مالي)، سيكوتوري (غينيا)، مصالي الحاج وكريم بلقاسم (الجزائر)، الحبيب بورقيبة (تونس) ، جمال عبد الناصر (مصر)، أمين الحسيني (فلسطين)، محمد علي جناح (الباكستان)، وأحمد سوكارنو (إندونيسيا).

كان التوقيت الجيوسياسي لهذه الاستقلالات مرتبطاً بعوامل دولية مساعدة؛ فقد أدت الحرب العالمية الثانية إلى ظهور قوة الولايات المتحدة وإزاحتها لإمبراطوريتي فرنسا وبريطانيا ، وصعود الاتحاد السوفيتي المنافس، مما خلق ضغطاً عالمياً على الدول الاستعمارية لمنح الاستقلال للشعوب.

شهدت الفترة تسارعاً في استعادة السيادة الوطنية، حيث تم الإعلان عن التواريخ الرئيسية التالية للاستقلال:

• 1941-1946: إعلان استقلال سوريا (1941)، واستقلال لبنان (1946)، واعتراف بريطانيا بشرق الأردن دولة مستقلة (1946).

• 1947-1951: تأسيس دولة الباكستان (1947)، وإعلان قيام حكومة عموم فلسطين في غزة (1948)، واستقلال ليبيا (1951).

• 1956-1958: استقلال السودان (1956)، واستقلال المغرب (1956)، واستقلال تونس (1956)، واستقلال غينيا (1958).

• 1960: شهد هذا العام ذروة موجة التحرير في إفريقيا،استقلال الكاميرون، سيراليون، التوجو، مدغشقر، الصومال، الداهومي، النيجر، فولتا العليا، ساحل العاج، تشاد، الكابون، السنغال، نيجيريا.

• 1962-1968: استقلال الجزائر (1962)، واستقلال الجنوب العربي (1968)، واستقلال غينيا الاستوائية (1968).

7.2. الخلاصة الختامية: الصراع الذي لم ينتهِ

على الرغم من حصول أغلبية دول العالم الإسلامي على استقلالها، يؤكد أنور الجندي أن الصراع لم ينتهِ بشكل كامل.

.. استمرار الاستعمار الماركسي: ظلت الشعوب الإسلامية في آسيا الوسطى وما وراء القوقاز خاضعة لـ "استعمار روسيا الماركسية والداخلة في الاتحاد السوفياتي". هذا يؤكد أن الكفاح في الجبهة الشرقية كان مستمراً وغير مكتمل، وأن الهيمنة السوفيتية تشكل استمراراً للغزو الأوروبي.

2. الخطر الصهيوني: يختتم النص بتحذير من "الاستعمار الصهيوني الذي لا يدانيه في الخطر استعمار قديم ولا حديث والذي زرعه الاستعمار الأوروبي الراحل في جسم الأمة العربية ليعوق تقدمها".

هذا التحذير يوضح أن الصراع لم ينتهِ بانسحاب فرنسا وبريطانيا، بل تحول إلى مرحلة أكثر تعقيداً حيث تم استبدال السيطرة العسكرية المباشرة بالهيمنة غير المباشرة. يُنظر إلى هذا المشروع كعائق استراتيجي للسيادة يهدف إلى ضمان استمرار الهيمنة الغربية وتعطيل نهضة الامة 





*[[المقال السادس]]*


تمثل فترة مطالع القرن الثالث عشر الهجري (التاسع عشر الميلادي) نقطة تحول مفصلية في التاريخ الفكري الإسلامي الحديث،  حيث شهدت هذه الحقبة اصطداماً حضارياً مباشراً بين العقل المسلم، الذي كان يعيش تحت وطأة الرهق، وبين التقدم العقلي والتكنولوجي الأوروبي. من ايجابيات هذه المرحلة انها أطلقت  شرارة النهضة،أو حركت بذورها ولكنها في الوقت ذاته، أسست لنموذج من التبعية الفكرية  والالتباس الأيديولوجي   والذي ما زالت تداعياته قائمة حتى اليوم.  يتناول المسار حالة وواقع الفكر الإسلامي الحديث، بدءاً من صدمة المواجهة وحتى تشكل الخارطة الفكرية المتناحرة في المنطقة.

أولاً: السياق التاريخي والتدافع الحضاري،،  (1798-1830م)

وهي مرحلة التحولات الكبرى ونهاية الحقبة العثمانية 

لقد شهد العقد الأخير من القرن الثامن عشر الميلادي اضطراباً واسع النطاق في موازين القوى الأوروبية، تجسد بشكل أساسي في نتائج الثورة الفرنسية (1789-1799م)  هذا الانقلاب أعاد فرنسا إلى مركز الصراع الاستعماري، مع سعيها الحثيث لتطوير خططها للتقدم، شملت استعادة المستعمرات وتأمين مسارات التجارة الاستراتيجية،واستثمار حالة الضعف، وربما أعطانا النموذج المصري القدرة على القراءة الواقعية دون مواربة 

كانت مصر العثمانية حينها تتمتع بطابع استقلالي، مدعوم بالاستقرار الإداري والاجتماعي، حيث عزز السلاطين العثمانيون ذلك بمنحها قانون خاص  وبإبقاء مقاليد الحكم في يد المماليك التابعين للدولة العثمانية، لاشك هذا الموقع الجغرافي جعلها رابطاً تجارياً حيوياً بين أوروبا وإفريقيا والخليج العربي، مما جعلها هدفاً للقوى الأوروبية، لاسيما في ظل تجدد الصراع الأنجلو-فرنسي

على الرغم من إدراك الدولة العثمانية للثورة الفرنسية كشأن داخلي والاعتراف بالجمهورية الفرنسية عام 1794م، اعتقاداً بأن الإسلام يشكل درعاً واقياً ضد أي هجوم فكري ثوري، إلا أن الغزو العسكري المباشر أثبت ان الاستعداد يمثل حتمية حضارية مما يستدعي اعادة تجلية هذا المبدا والتصور. لقد شكل عام 1798م، تاريخ حملة نابليون على مصر، الشرارة الفعلية التي أطلقت النقاش حول (الإصلاح) في الدولة العثمانية وما تبعها من أقطار.

ثانيا . صدمة المواجهة وتفكيك النموذج المعرفي الموروث 

أصيب العقل المسلم في مطلع القرن التاسع عشر الميلادي بحالة من الانبهار والاندهاش جراء التقدم العقلي الأوروبي (حال المغلوب ) تجسدت هذه الصدمة في المواجهات العسكرية على أرض الواقع، سواء أثناء الحملة الفرنسية على مصر (1798-1801م) أو الحملة اللاحقة على الجزائر على سبيلالمثال، (1830م). عندما أدرك المقاومون وقع الهزيمة التقنية عندما واجهوا سلاح المدفعية الفرنسي المتطور بأسلحة تقليدية كالبنادق والحجارة، مما اضطرهم لطلب الأمان بعد أن أيقنوا حقيقة المال 

لم تقتصر آثار الحملة على البعد العسكري، بل مثلت نموذجاً للغزو الفكري والحضاري كنتيجة منطقية، ،كان من أبرز النتائج الفكرية المباشرة للحملة العمل على إعادة هيكلة العقلية المصرية وهي نموذجنا هنا  لتكون "متقبلة للآخر" بـ "عقل منفتح".هكذا!!لقد كان هذا الجهد ضرورياً لتمهيد الطريق لعمليات التقليد اللاحقة، حيث عمل على فصل التقدم التكنولوجي والإداري الأوروبي عن الخلفية التاريخية للعداء الصليبي، وبالتالي، تحييد العداء الثقافي التقليدي وجعل الأخذ من الغرب مشروعاً لا يتعارض بالضرورة مع الهوية الدينية. وهذه بذرة المشروع العلماني، 

بالإضافة إلى ذلك، أدت المواجهة إلى إدخال مفاهيم جديدة جوهرية، أبرزها إعادة هيكلة مفهوم الولاء، ليصبح الولاء للأرض لا للسماء. كان لهذا التحول دلالة عميقة في تفكيك النظام القديم؛ إذ غيّر بوصلة الحاكمية والشرعية من مرجعية إيمانية إلى مرجعية قومية أو علمانية مرتبطة بالكيان الجغرافي. هذا التحول كان خطوة ضرورية قبل الشروع في أي تغيير إداري أو عسكري جذري، ومهد الطريق لنشأة الدولة الوطنية الحديثة. كما عملت الحملة على التعاطي مع بعض المعتقدات العملية في العلوم الطبيعية والطبية لدى المجتمع المصري وهو نموذج الدراسة 

ثالثا. الاستجابة المؤسسية والتبعية المنهجية (عصر محمد علي 1805-1849م)

وهو مشروع  التحديث القسري ومعامل الذوبان ،،

أعقبت حالة الذهول والاندهاش مرحلة المحاولات النهضوية الأولى، والتي شكلت بدايات اليقظة العربية والإسلامية. فبعد توليه حكم مصر عام 1805م، أسس محمد علي باشا مشروعاً للتحديث القسري اعتمد على النقل المنظم للمعارف الغربية.

تمثل هذا الجهد في إرسال الإرساليات العلمية إلى أوروبا، بداية من عام 1826م، ورافقها قادة فكريون مثل الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي وعلي باشا الفلكي. كان هدف هؤلاء الرواد هو محاولة شق طريق للعقل المسلم نحو عالم اليقظة الحضارية، وذلك بالأخذ بـ "محاسن المدنية الأوروبية المتقدمة"وفق العاطفة الوطنية،كما كان الحال، عاد الطهطاوي عام 1831م، متحولاً من إمام للدين إلى إمام للنهضة، وأسس مدرسة الألسن، بهدف معلن وهو أن "ينتفع بها الوطن ويستغنى بها عن الدخيل". هذا الهدف يعكس طموح التيار التوفيقي كما يرى  في تحقيق الاستفادة الذاتية دون الوقوع في التبعية الكلية.

رابعا  مصر ـ (  النموذج المصغر) للتقليد المفرط

خلال هذا التفاعل، أحس العقل المسلم بنوع من التراجع ووضع نفسه في موضع التابع المقلد. انكب المفكرون والنخبة على ما لدى العقل الأوروبي يأخذون منه ترجمةً، ونقلاً، واقتباساً، وتأليفاً 

نتيجة لذلك، تحولت مصر في العقود الخمسة الأولى من القرن التاسع عشر إلى "نسخة مصغرة للمدنية الغربية". تجلت هذه المماثلة في النقل العلمي والتكنولوجي، وأيضاً في المجالات التنظيمية والإدارية. وقد شملت هذه الفترة فتح المعاهد العلمية والمهنية والعسكرية، وقيام نهضة صناعية وزراعية واجتماعية مقبولة آنذاك 

ومع ذلك، كان التحديث مصحوباً بـ مأزق الهوية القانونية العميق. فبدلاً من إصلاح المنظومة التشريعية الإسلامية، تم استبدالها كلياً بالمنظومة التشريعية الأوروبية. لقد نحا محمد علي باشا إلى الاحتكام إلى قانون نابليون عوض العمل بالشريعة الإسلامية. هذا الإحلال لم يكن مجرد إصلاح إداري، بل كان اعترافاً ضمنياً بعدم كفاءة أو جمود الفقه القائم لمواكبة متطلبات الدولة الحديثة. إن هذا الفصل الجذري بين الهوية التشريعية الإسلامية ومتطلبات الحداثة الإدارية وضع العقل العربي والمسلم رهيناً للمثل الثقافية الغربية الأوروبية، وأدى إلى نشوء ازدواجية فكرية حادة بين النخبة المثقفة والقاعدة الشعبية، وهو ما سيؤثر على استقرار أي مشروع نهضوي لاحقا


رابعا الاحتدام الأيديولوجي وتكوين الخارطة الفكرية

. نشأة النخبة المثقفة (المستغربة) والتحول إلى التقليد الثقافي

أدت البعثات العلمية إلى نشوء جيل من المثقفين المتشبعين بالثقافة الأوروبية. شكّل هؤلاء العائدون من البعثات في فرنسا المناهج، والبرامج، والأطر، والهيئات الإدارية والقانونية التي أدارت مصر وبلاد الشام والسودان فكرياً وثقافياً وسياسياً وإدارياً.

تشكل العقل المسلم الحديث وفق الأدبيات الفكرية والعلمية التي اتخذت الحضارة الأوروبية الليبرالية قدوة عملية ونظرية لها. وظهر جيل من كبار المفكرين الذين تبنوا الليبرالية الفكرية والثقافية الغربية أساساً لتعاملاتهم النظرية والعملية، لا سيما مع تلقيهم تأييداً واسعاً من قبل الأنظمة الحاكمة آنذاك 

الأمر الجوهري الذي حدث هو الانتقال من دائرة الاستفادة والانتفاع العلمي والتكنولوجي  إلى دائرة التقليد التام لكل ما أنتجته أوروبا فكرياً، وثقافياً، وأدبياً، وفنياً، واجتماعياً، وقانونياً . هذا التقليد الشامل طال حتى ما له علاقة وثيقة بالقيم الثقافية والحضارية العربية الإسلامية، وشكل المنطلقات التأسيسية لفصيل المفكرين المستغربين الذين وجدوا سندهم لاحقاً.

 تحليل التيارات الفكرية الثلاثة في عصر النهضة

تشكلت الخارطة الفكرية في العالم الإسلامي آنذاك وفق ثلاثة اتجاهات رئيسية..

. فصيل المثقفين الليبراليين (المستغربة): اتخذوا من أوروبا قبلة ثقافية وفكرية لهم، وتبنوا المنهج الغربي في جميع مناحي الحياة.

2. فصيل المثقفين (المحافظين ) ان جاز ذلك

 نبذوا كل مظاهر العصرنة والتطور، مما أدى إلى عزلة منهجية.نسبية 

. فصيل المثقفين (التوفيقي): سعوا إلى التوفيق بين التراث والمعاصرة، محاولين استخلاص عناصر القوة من كلا الجانبين لتحقيق اليقظة الحضارية.

إن تحليل التيارات اللاحقة يوضح هشاشة المشروع التوفيقي على المدى الطويل. على الرغم من أن هذا التيار (الذي مثله الطهطاوي في البداية) هدف إلى الأخذ بمحاسن المدنية الأوروبية، إلا أن الانسجام والتوفيقية اللذين ميزا بدايات النهضة سرعان ما تمزقا بفعل الصدامات المتقطعة التي ظهرت علناً. على سبيل المثال، نشر طه حسين كتاب "في الشعر الجاهلي" عام 1926م، الذي طبق المنهج النقدي الغربي على أصول التراث، مما سبب ضجة هائلة وأثار اتهامات بالكفر، وأنذر بإمكانية تحريض و عصيان شعبي. هذا يؤكد أن التحدي الحقيقي لم يكن مقتصراً على استيراد التكنولوجيا أو التنظيمات، بل كان في تبني المنهج النقدي الغربي الذي يهدد الأسس المعرفية الداخلية والثوابت الثقافية، مما جعل المشروع التوفيقي غير مستقر في مواجهة التطبيق الكامل للحداثة المنهجية كما تسمى 

يمكن تلخيص سمات هذه الفصائل واتجاهاتها المنهجية على النحو التالي:

• التيار الليبرالي المستغرب: انطلق هذا التيار من الانبهار بالنموذج الغربي المدني، واتخذ من الحضارة الأوروبية الليبرالية مرجعية وقدوة ثقافية. وكان هدفه المنهجي هو التقليد التام والشامل للغرب في المستويات الفكرية والقانونية والثقافية كافة.

• التيار المحافظ: تأسس هذا التيار على الوفاء للموروث والماضي، واعتمد على  الموروث كمرجعية وحيدة. وتميز بهدف منهجي هو النبذ المطلق والتحفظ الكامل على جميع مظاهر العصرنة والتطور.

• التيار التوفيقي  نشأ هذا التيار من الإحساس بضرورة اليقظة الحضارية، وسعى إلى التوفيق بين التراث والمعاصرة. كان هدفه المنهجي هو الأخذ بـ "محاسن المدنية الأوروبية لخدمة النهضة الذاتية دون التقليد الكلي.

خامسا إجهاض المشروع النهضوي وآليات الصراع الإستعماري 

في الوقت الذي كان فيه العقل العربي والمسلم يخطو نحو المحاولات الحضارية النهضوية الأولى، كانت الأقطار الإسلامية تقع فريسة "للاستكبار الصليبي العالمي". تعرض المشروع النهضوي في مصر لمحاولات الإجهاض على جبهتين داخلية وخارجية.

..( الإجهاض الداخلي وفشل التوطين)

رغم قيام نهضة صناعية وزراعية وتنظيمية، فإنها تعرضت لـ "عمليات الإجهاض الداخلي. كان الإجهاض الداخلي يشير إلى أن عملية النقل العلمي والتنظيمي لم تنجح في خلق بنية مؤسسية مستدامة وأصيلة. فاستبدال المنظومة التشريعية بالشريعة الإسلامية بقانون نابليون، على سبيل المثال، أدى إلى بقاء الأنظمة المستوردة (خاصة القانونية والإدارية) مجرد نسخ خارجية غير متجذرة في الوعي المجتمعي أو الفكري المحلي. هذا الفشل في توطين المنهج جعل المشروع برمته هشاً وقابلاً للانهيار تحت أي ضغط داخلي أو خارجي، مما حد من قدرة الدولة الحديثة على الاستمرار كقوة مستقلة وذاتية التوجيه.

. .الإجهاض الخارجي والتوظيف السياسي،

تعرض محمد علي ومن خلفه أبناؤه للإغراء بفوائد الفتوحات الخارجية في المشرق والمغرب، وقد أغري بفتح الجزائر والشام والسودان، وهي حملات أدت في النهاية إلى تمزق حكمه  بعد معاهدة،، كوتاهيا،، سنة 1843م، انكفأ محمد علي على مصر وحدها. كانت النتيجة النهائية لهذه الحروب الجانبية هي استنزاف القوى المادية والبشرية، واستفادة الغرب الأوروبي من إضعاف كل من مصر والدولة العثمانية.

(توظيف الأيديولوجيا في خدمة الهيمنة الإمبريالية)

أظهرت الممارسة الاستعمارية فهماً عميقاً لأثر الأيديولوجيا على الهيمنة. فقد شجع الاستكبار فصيل المثقفين الليبراليين الموالين للمشاريع الفكرية الغربية على حساب الفصيلين الآخرين (المحافظ والتوفيقي )  كان هذا الدعم منهجياً، لأنه ضمن التبعية الثقافية.

لقد اعتُبر التيار التوفيقي، الذي حاول الطهطاوي التعبير عنه بهدف "الاستغناء [بالوطن] عن الدخيل" ، تهديداً استراتيجياً للقوى الاستكبارية. فالطرح الذي يجمع بين الأصالة والعصرنة كان يهدف إلى استقلال حضاري حقيقي. في المقابل، ضمن دعم التيار الليبرالي التقليد التام للغرب، ليس فقط في التكنولوجيا، ولكن في القيم الاجتماعية والقانونية. هذا التقليد الشامل جعل طرحهم منسجماً مع توجهات وأهداف الاستكبار، حيث يضمن استمرار الهيمنة الأيديولوجية والتبعية الاقتصادية، ويحول دون ظهور مشروع نهضوي ذاتي ومنافس للقوى الغربية.

سادسا التداعيات الفكرية والمنهجية للفكر الإسلامي الحديث 

.( محصلة الانقسام وتثبيت وضع التابع)

أدت حالة الانبهار الأولى والتقليد المفرط في عصر محمد علي إلى تثبيت وضع العقل المسلم في خانة "التابع المقلد" الآخذ من العقل الأوروبي. كان هذا الوضع مصحوباً بنوع من التراجع والتردد، وتحول النقل بالترجمة والاقتباس إلى الغالب على التأليف والإبداع.

إن غلبة نمطي الترجمة والاقتباس على التأليف الأصيل عمّقت أزمة الإنتاج الفكري المستقل. حيث أصبح المثقفون يستهلكون النظريات والأطر الأوروبية الجاهزة، بدلاً من تطوير أطرهم المعرفية الخاصة التي تعالج الواقع المحلي  هذا  المنهجي ساهم في استمرار الازدواجية الفكرية، حيث بقيت المؤسسات الإدارية والقانونية تابعة لمنطق غربي، بينما بقي الوعي الشعبي محكوماً بمنطق تقليدي، ما أدى إلى استمرار حالة الشد والجذب بين النخبة والقاعدة.

لا تزال التيارات الثلاثة (الليبرالي، المحافظ، التوفيقي) تشكل المصفوفة الفكرية الأساسية التي تتجادل حول الحالة الثقافية والسلطة السياسية  عموما التقييم النقدي يظهر أن التحديات المنهجية ما زالت قائمةومستمرة 




النهضة منثورات على بساط التغيير

[الحلقة السابعة ]

نشأت حركة النهضة  الإسلامية من مراجعات وتشخيص نقدي  للأزمة الحضارية التي اعترت العالم الإسلامي في القرن التاسع عشر  كما وضح لقد تعددت مداخل التشخيص وزوايا الرؤية وتناثرت على رقعة المبادرات، طائفة من المفكرين، تمكنوا من الاطلاع المباشر على حضارة الغرب في موطنها،هؤلاء ذهبوا إلى أن علة التخلف تتجاوز مجرد البعد عن تعاليم الدين وفق تصورهم لماهية الدين، وهو التشخيص الذي كان سائداً  لدى آخرين وفق قراءة اخرى ، لقد خلص هؤلاء  إلى أن الأزمة الحقيقية تكمن في تخلف المسلمين وكفهم عن عملية التطور التي تتيحها العلوم والمعارف الحديثة، إضافة إلى غياب وسائل الإنتاج المادية والمؤسسات الاقتصادية القوية، وضعف الاحتكاك البنّاء بالأمم الأخرى للإفادة من تجاربها ومنافستها في تقدمها وتبدو حالة الانبهار واضحة، 

وقد شكل هذا المنحى تحولا نوعياً في منهج التشخيص؛ إذ أقر هؤلاء بأن روح الإسلام وشريعته لا تتعارض على الإطلاق مع أسس التطور والتقدم في المجتمعات الحديثة. وبناءً عليه، حددوا الأسباب الجذرية لتخلف المسلمين في ثلاثة محاور رئيسية الاستبداد، والجهل، والجمود الفكري كما يرون ويقدرون،لم يحظَ هذا المنظور  النقدي باهتمام واسع، بل إن نقد أحوال المسلمين من خلاله اعتُبر خروجاً عن الفكر الإسلامي القائم وذلك لدعوته الصريحة إلى الأخذ بفضائل الحضارة الغربية وإيجابياتها  دون رابط منهجي اونسق متكامل والغربظلهوالمشكلةوليس الحل، كما يبد  يمثل هذا الانتقال من نقد أخلاقي بحت إلى نقد بنيوي ومؤسسي، يركز على ضرورة تحديث البنى الاقتصادية والسياسية

لقد لجأ المفكرون [النهضويون] إلى مرجعيات تاريخية وفلسفية لتعميق فهمهم لأسباب التدهور. فقد وجد الإحساس بتقهقر الأوضاع الاجتماعية والسياسية في العالم الإسلامي بعدا

 فلسفياً عميقاً في فكر ابن خلدون، الذي يُعد مرجعية لفهم الأوضاع الحضارية والاجتماعية المتأزمة ودورات صعود الحضارات وانهيارها وربما مثل ذلك ايضا محفزا نفسيا 

ومع تزايد حدة الأزمة في العصر الحديث، قدم شكيب أرسلان (ت1946) تشخيصاً أكثر تركيزاً على العلل الآنية والسياسية، محدداً سبب تأخر المسلمين في الجهل وفساد أخلاق الأمراء والعلماء، وما نتج عن ذلك من تسرب لعوامل اليأس والقنوط والجبن إلى النفوس مؤكدا على أن انكسار القوى المعنوية يعكس "حالة مرضية تشل العقل وتكبل الإرادا مثل هذا التحليل انتقالاً من فلسفة الانهيار التاريخي (الخلدوني) إلى تشخيص يركز على العوامل النفسية والسياسية المباشرة. لم يكتفِ رواد [النهضة] بتحليل التخلف 

 التاريخي، بل طالبوا بضرورة معالجة العلل القابلة للإصلاح الفوري. الجمود والفساد والاستبداد، معتبرين أن استعادة القوة المعنوية والإرادة الفاعلة شرط أساسي للقيام بـ "عمل حضاري متقدم من هذا المنطلق، أصبحت الحاجة ماسة لدراسة ظاهرة التدهور الحضاري التي تشكلت نتيجة لعوامل ومؤثرات شتى: عقدية، وسياسية، وإدارية، واقتصادية، وأخلاقية

اذن ماهي  المنطلقات الفكرية للنهضة وخرائط الإصلاح (The Intellectual Framework)  ام ان المنثورات تتضاعف دون خيط رابط ،ربما كان تلمس اطار فكري مثل خطوة في الطريق

ا، الإطار الفكري للإصلاح التوفيق بين الأصالة والمعاصرة

سعى رواد النهضة إلى تأسيس إطار فكري يبرهن على إمكانية التوفيق بين القيم الإسلامية الأصيلة ومتطلبات العصر الحديث، وهو ما عُرف بالتيار التوفيقي.

 فكان خير الدين التونسي وهو رائداً في هذا المجال، حيث برهن بـوعي الأصوليين وبرهنة الفقهاء على أن لا تعارض بين الشريعة الإسلامية وبين أسس التقدم الغربي الحديث. رأى التونسي أن الشريعة تتضمن في جوهرها قيماً مثل العدل، والمساواة، والشورى، والحرية، وهي القيم ذاتها التي شكلت محركات التطور في التاريخ الغربي الحديث، كما كانت عوامل رئيسية في تقدم المسلمين خلال عصورهم الذهبية.   

جمال الدين الأفغاني. وهو الذي سوف نفرد له بابا في هذه الدراسة، نظر جمال الدين الأفغاني إلى الإسلام باعتباره نظاماً قادراً على إنشاء حياة راقية ينعم فيها الإنسان بالقيم المثلى رأى الأفغاني أن المسلمين يمتلكون المقومات الضرورية لبناء مدنية مزدهرة، وعلى رأسها القدرة على إقامة التوازن بين الإيمان والعقل. ولكنه اعتبر أن تخلفهم يعود بالأساس إلى سوء فهمهم لدينهم والابتعاد عن تعاليمه. كما ركز على فكرة الوحدة الإسلامية (الجامعة الإسلامية) كسبيل لإعادة القوة والتضامن للمسلمين، وحث العلماء على القيام بدور التوعية بحقيقة الإسلام من أجل إخراج العالم الإسلامي من أزمته العميقة ومن تلامذته الشيخ محمد عبدده ورشيد رضا

 يعد الإمام محمد عبده من أبرز من ركز على الجانب العقلي في المشروع النهضوي. دعا عبده إلى إعادة الاعتبار لدور العقل في خريطة الفكر الإسلامي، وحاول تأسيس الإيمان على أسس وأدلة وحجج برهانية. وقد ساند الاجتهاد والتوفيق بين العقل والنقل،   





*🎋مبادرات على طريق النهضة🎋*

*الآليات والمؤسسات*


*[الحلقة الثامنة ]*


في هذه الحلقة سوف نتناول مبادرات  جهود النهضة والتي تطورت إلى مبادرات عملية هدفت إلى بناء مؤسسات قادرة على حمل المشروع الحضاري كما قدروا، ،

وكان ذلك اشبه بتقسيم العمل وان لم يبن على خطة استراتيجية موحدة كما سوف نرى وفق هذا التقسيم 

1، الإصلاح التعليمي وتحديث مؤسسات العلوم الشرعية 

كان الإصلاح التعليمي محورياً في مشاريع الرواد.

في السودان ظهرت مبادرات في تطوير مؤسسات العلوم الشرعية والتي تطورت من الحلقات في المساجد والمنازل، الى معهد ام درمان العلمي، وادخال العلوم الحديثة، ،

و في تونس، ظهرت مبادرات لجمعية تونس الفتاة ومؤسسات مثل معهد الخلدونية والمدرسة الصادقية، هدفها دعم الحياة العلمية والثقافية وتقديم دروس  في العلوم الحديثة مثل التاريخ والجغرافيا وعلم الاجتماع والاقتصاد السياسي والفيزياء والكيمياء، وذلك لتلاميذ الزيتونة.   

أما في مصر، فقد أتيحت الفرصة للإمام محمد عبده لتحقيق حلمه بإصلاح الأزهر وتنفيذ خطته لإصلاح الأوقاف والمحاكم الشرعية. كان هدفه هو وقف إنتاج "أنصاف المتعلمين" الشرعيين كما قيل! وتحديث المناهج عموما هذا ماقيل ومع ذلك، واجه محمد عبده جدلاً حاداً وخلافاً مع الخديوي عباس، واضطر إلى الاستقالة من الأزهر. كما وجهت إليه اتهامات بأنه ساعد اللورد كرومر في تثبيت القوانين الوضعية، لا سيما القانون الجنائي، وهو ما رآه خصومه....

 أدى الإصلاح التعليمي إلى نشوء ازدواجية بين المؤسسات الموروثة والمؤسسات العصرية (الجامعات الحديثة)، مما عزز انقسام النخبة بدلاً من توحيدها، وساهم في عزلة النخبة النهضوية بين هذين التيارين.   

2. المطالب الدستورية وإرساء القانون

شكلت المطالب الدستورية وإرساء القانون العصري محركاً أساسياً لمقاومة انظمة الحكم ..

في الدولة العثمانية، سبقت محاولات الإصلاح بدءاً من التنظيمات  وظهور محمد علي بمشروعه الغربي وهدفت إلى وضع مبادئ وقواعد لتنظيم ممارسة السلطة. فعلى الصعيد القانوني، صدر قانون "التبعة العثمانية" عام 1869، الذي كان مرادفاً لمفهوم "الجنسية" (المواطَنة) وكان خطوة نظرية نحو ما رآه البعض  الانتقال من مفهوم الرعية إلى المواطنة في الأدبيات السياسية.   

وفي تونس، بلغت العملية الدستورية ذروتها في العصر الحديث مع صياغة دستور 2014، حيث قدمت حركة النهضة التونسية تنازلات كبيرة في القضايا الشرعية (مثل عدم إدراج كلمة الشريعة) للحفاظ على الوحدة الوطنية والديمقراطية. ومع ذلك، أشارت بعض الدراسات إلى أن تبني دول مثل المغرب والجزائر وتونس لعمليات التحول الديمقراطي جاء "شكلياً" في بعض الأحيان، كوسيلة "لامتصاص غضب الشعوب ومجاملة المجتمع الدولي". هذا يكشف عن هشاشة المبادرات المؤسسية في غياب إرادة سياسية حقيقية وغير مستبدة.   

3. قوة الصحافة ومنصات الوعي 

كانت الصحافة أحد أنجح آليات النهضة في نشر الأفكار وصناعة رأي عام جديد. لعبت مصر دوراً مركزياً في تاريخ الصحافة العربية، حيث تحولت الوقائع المصرية من مجرد نقل أخبار حكومية إلى أداة إعلامية تتناول كافة جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.   

لعبت المجلات التنويرية دوراً حاسماً، مثل العروة الوثقى (التي أسسها الأفغاني وعبده بعد نفيه )، والمنار، والمقتطف، والهلال. ساهمت هذه المنصات في طرح قضايا وطنية كبرى، مثل الدعوة إلى إنشاء بنك وطني وتأميم قناة السويس. كما ساعدت هذه المجلات في نقل الأفكار النهضوية إلى المناطق البعيدة،  حيث شكلت قراءة رواد التغيير فيها لمجلات مثل المقتطف والمنار بداية الطريق التنوير . كان هذا النجاح الثقافي للصحافة يعني أن النخبة النهضوية، على الرغم من فشلها في اختراق هياكل السلطة، قد نجحت في بناء وعي تاريخي ووعي جماهيري جديد، وهو ما ضمن بقاء الفكر النهضوي حياً.   

الجزء الرابع: مأزق النخبة النهضوية: العزلة وعدم الفعالية 

لم يكتب لمشاريع النهضة النجاح العملي المرجو لأن "تيار الحياة السياسية والاجتماعية كان أكثر طغياناً، ظلت النخبة التي حملت أفكار( التقدم) "معزولة اجتماعياً، غير مرغوب فيها"، ولذلك لم "ترافق الأفكار الممارسة، ولم تصاحبها الفعالية العملية"

كان الفشل في التطبيق نتاجاً لمعضلة ثلاثية الأبعاد:

العرقلة السياسية، شكل الاستبداد الداخلي الجدار الأول. فقد أدى الصراع بين محمد عبده والخديوي عباس إلى استقالة الأول من الأزهر ، كما أدى القمع السياسي إلى لجوء الكواكبي لإخفاء اسمه في أهم أعماله. يرى المفكرون أن المشكلات الاجتماعية والاقتصادية المترابطة لا يمكن حلها منفردة، بل تتطلب "حلاً عاماً يشملها جميعاً"، وهو ما لا يمكن تحقيقه في ظل أنظمة استبدادية   

العرقلة الخارجية (النزعة التغريبية): كان هناك عامل خارجي معقد، وهو النزعة التغريبية التي اعتنقها ولاة مصر، بدءاً من محمد علي، والتي دفعتهم لطلب "رضا الغرب". سمح هذا الأمر بتدخل الغربيين في المشاريع النهضوية وتسييرها وفقاً لمصالحهم، مما حول "الاستقلال" الذي صنعته بريطانيا إلى سبب للصراع والوهن الداخلي. إن غياب السيادة السياسية المستقلة جعل المبادرات الإصلاحية، سواء في التعليم أو القضاء، هشة وعرضة للإلغاء أو التسييس لمصلحة القوى الأجنبية.   

 مقاومة المؤسسات مبدأ التجديد

شكلت المؤسسات  القائمة جبهة مقاومة صلبة، استخدمت الخطاب الخاص لعرقلة ماسمي بالتجديد.

الهجوم على الإصلاح السياسة القضائية عندما قاوم صعيد مصر القوانين الوضعية الحديثة، أفتى الكثير من شيوخ الأزهر بكفر من أدخلها. اضطر اللورد كرومر، في مواجهة هذه الثورة الدينية، للاستعانة بمحمد عبده، الذ، لتهدئة الرأي العام ومواجهة الشيوخ الثائرين.   

يقرا في ضؤ ءلك الموقف  من قاسم أمين  واعتبر المعارضون أن الدعوة إلى خروج المرأة والسفور تهدف إلى "هدم القيم" وتخالف الشريعة، مشيرين إلى أن هذا التطوير قسري لا يؤمن سوء عاقبته.   

وظهور دعوة الشيخ الازهري  علي عبد الرازق   كان كتاب علي عبد الرازق الإسلام وأصول الحكم (1925) الذي صدر تزامناً مع سقوط الخلافة العثمانية، ذروة الصدام بين الفكر السياسي المخالف والمؤسسة  القائمة. الكتاب الذي يرى عدم وجود دليل شرعي على شكل حكم معين في الإسلام ،ويزهد في مشروعية الخلافة أدى إلى سحب شهادة الأزهر من عبد الرازق وعزله من منصبه في القضاء،




*[الحلقة التاسعة]*


ذكرنا اننا سوف نتخذ منهجا يرتكز على ثلاثة ابعاد ونحن نتحدث عن قضية النهضة، البعد الفكري،والبعد الايدولوجي والبعد السياسي السلطوي 

وجعلنا الحديث في البعد الفكري حول ثلاثة شخصيات مثلت مفاصل في هذا النسق ونبدأ باولها ونتناول جهود جمال الدين الأفغاني .

تعد شخصية جمال الدين الأفغاني (1838-1897م) حجر الزاوية في تحريك بنية الفكر الإسلامي الحديث، ليس فقط لكونه داعية بفكرة جاب  بها الأقطار من كابل إلى باريس، وهو بل يتجاوز قيد الجغرافيا ولكن لكونه المنهل الأول الذي انبثقت منه تيارات الإصلاح والنهضة التي حاولت التوفيق بين مقتضيات العصر وقيم الأصالة الإسلامية.إن قراءة تجربة الأفغاني تتطلب غوصاً في تعقيدات القرن التاسع عشر، ولذلك كانت وقفتنا في المقالات السابقة، حيث كانت الدولة العثمانية تعاني من التآكل الداخلي والضغط الاستعماري الخارجي، مما استدعى ظهور استراتيجيات دفاعية وهجومية تصد الوافد وتحرك الساكن وتمثل ذلك في فكرة "الجامعة الإسلامية" التي تبناها الأفغاني كإطار جيوسياسي وكفاحي لمواجهة الهيمنة الغربية وربما كانت هي ثمرة الفكرة المركزية في مشروعه كما سنرى 

[البيئة والمسيرة ]

تمثل نشأة جمال الدين الأفغاني في قرية "أسد آباد" بالقرب من كابل عام 1838م بداية تشكل شخصيةوالتي كما وصفها البعض انها اتسمت بالأنفة والعزة المستمدة من البيئة الجبلية الوعرة. ففي المرحلة الممتدة بين (1838-1856م)، غاص الأفغاني في تحصيل العلوم الشرعية واللغات الشرقية كالعربية والفارسية والتركية، متمكناً من العلوم العقلية التي شكلت البذور الأولى لشخصيته القيادية.

أما المنعطف المفصلي الأول، فقد تجسد في رحلته إلى الهند (1856-1858م)، حيث اطلع على العلوم الرياضية الحديثة، وعاين حقيقة الاستعمار البريطاني الذي استعبد الملايين؛ مما ولد لديه إدراكاً عميقاً بضرورة إيجاد رابطة توحد الشعوب المستضعفة، فكانت تلك بداية بزوغ فكرة الجامعة الإسلامية في ذهنه.انتقل الأفغاني بعدها للمشاركة في الحكم في أفغانستان (1866-1868م) كمستشار ووزير أول للملك "محمد أعظم"، وهي تجربة صقلت خبرته السياسية وكشفت له عن الأثر المدمر للاستبداد الداخلي في إضعاف الأمة أمام الخارج.

وفي محطته المصرية ومسيرة المنهجيةهذه(1871-1879م)، تحول الأفغاني إلى صانع للأجيال النهضوية؛كما وصفه البعض فمن خلال التدريس والعمل في الجمعيات السرية ،(ولنا وقفة لاحقة مع هذه الجمعيات )استطاع تكوين جيل من القادة مثل محمد عبده وسعد زغلول، ممهداً الطريق للروح الوطنية والتي كانت الترياق ضد الاستلاب والاحتلال كما تجلى ذلك في الثورة العرابية. تلا ذلك مرحلة النضج الفكري والإعلامي في باريس (1883-1885م)، حيث أصدر جريدة "العروة الوثقى" وخاض مناظرته التاريخية مع إرنست رينان،وهو مناظرة مشهورة جدا ليختتم مساره الحركي في الأستانة (1892-1897م) تحت رعاية السلطان عبد الحميد الثاني، محاولاً بلورة مشروع الخلافة كقوة سياسية عالمية قبل أن يصطدم بمؤامرات داخلية ،

 من الملاحظات المهمة في شخصية الافغاني هذا التحرك والتطواف بل الجدال حول جنسيته وكانه اراد ان يكسب جهده الفكرى ملمحا تجريديا يتجاوز به التصنيف المعهود، وهكذا تثير هوية الأفغاني جدلاً أكاديمياً واسعاً؛ فبينما يؤكد انتسابه للأفغان، تشير دراسات حديثة،  إلى أصوله الفارسية، معتبرة أن لقب "الأفغاني" كان تكتيكاً لتسهيل قبوله في الأوساط السنية وتجنب ملاحقة الحكومة الإيرانية. هذا الغموض يعكس رؤية الأفغاني العابرة للحدود القومية؛ حيث كان يرى في نفسه انه لفكرته ولدينه وانه برسالته التي تتجلى في كل ذهن بما يلائمه.

وقد تعزز هذا الوعي العابر للقوميات برحلة الحجاز لأداء فريضة الحج عام 1856م؛ حيث تجسدت أمام الأفغاني وحدة الأمة في أرقى صورها الروحية والمادية، مما عمق إيمانه بأن الإسلام هو القوة الوحيدة القادرة على صهر الأجناس لمواجهة الطغيان والاستعمار الذي عاينه في الهند.

وعند وصول الأفغاني للأستانة لأول مرة، أثار انفتاحه الفكري حفيظة المؤسسة التقليدية، وتحديداً شيخ الإسلام "حسن فهمي أفندي،،كما قيل بلغت الأزمة ذروتها بخطاب الأفغاني في دار الفنون حول الصناعات، حيث استخدم استعارة تشبيه النبوة بـ "الصناعة" من منظوره حيث يراها كمالاً إنسانياً ضرورياً لانتظام البشر. استغل الخصوم هذا الطرح لاتهامه بإنكار الوحي، مما أدى لترحيله "ريثما تسكن الخواطر"، في إشارة مبكرة للصدام بين ما يحمله وماهو قايم 

المرحلة المصرية (1871-1879)

استقر الأفغاني في مصر عام 1871م، حيث وجد في مناخها فضاءً ملائماً لبث أفكاره الإصلاحية. لم يكتفِ بالتدريس، بل جعل من منتدى "قهوة البوسطة" مكاناً لإلقاء أدق المسائل العلمية بلسان عربي مبين، مشدداً على تحرير العقل من الخرافات. تميز منهجه بالقدرة على استثارة الهمم، حيث دعا الشعوب لنفض غبار الخمول والعيش كباقي الأمم الحرة أو الموت شهداء. أنتجت هذه المرحلة جيل الرواد ، كما كان له دور حاسم في توجيه الروح العسكرية الوطنية ومطالبته بالمساواة للضباط المصريين، مما مهد للثورة العرابية.

]مشروع الجامعة الإسلامية[

تمثل الجامعة الإسلامية الفكرة المركزية في مشروع الأفغاني، وهي استراتيجية جيوسياسية تهدف لتكتل العالم الإسلامي لمواجهة المد الاستعماري. لم تكن الفكرة مجرد عاطفة دينية، بل مشروعاً شمولياً يمكن تفكيك أبعاده كالتالي:

على المستوى السياسي، سعى المشروع لتوحيد المواقف الدولية للمسلمين ضد الأطماع الأوروبية، واستخدمت في ذلك أدوات تنفيذية كـ "سكة حديد الحجاز" لربط الولايات وتسهيل الدفاع المشترك، رغم مواجهة عقبات الانقسامات المذهبية والفرقة التاريخية. أما البعد الديني، فقد استهدف استعادة هيبة الخلافة وتطهير الدين من البدع عبر إرسال الوعاظ للأقطار، مصطدماً بالسيطرة الاستعمارية المحكمة على وسائل الاتصال.

ثقافياً، ركز الأفغاني على تعزيز اللغة العربية وإصلاح التعليم ودعم الصحافة الموالية للفكر الإصلاحي، لكن هذا التوجه جابه تحدي بزوغ النزعات القومية كالطورانية والعربية التي بدأت تنافس الهوية الإسلامية الجامعة. وفي البعد الاقتصادي، نادى بالتعاون التجاري واستصلاح الأراضي لمواجهة الارتباكات المالية والتبعية للغرب، إلا أن الفساد الإداري وتغلغل المصالح الأجنبية في مفاصل الدولة العثمانية حالا دون تحقيق الاستقلال الاقتصادي المنشود.

تبنى السلطان عبد الحميد الثاني هذه الفكرة كوسيلة دفاعية لتعزيز شرعيته الروحية، ووجد في الأفغاني مروجاً عبقرياً لها، رغم الحذر المتبادل؛ حيث كان السلطان يهدف لترسيخ حكمه، بينما كان الأفغاني يراها وسيلة لتحرير الشعوب وإصلاح نظم الحكم من الداخل عبر الدستور.

العروة الوثقى، والتنظيم السري

  من باريس عام 1883م، أطلق الأفغاني وتلميذه محمد عبده جريدة "العروة الوثقى" كلسان حال لجمعية سرية تهدف لإيقاظ الشرق.صاغت الجريدة مفاهيم النهضة الجوهرية، مشددة على أن "لا جنسية للمسلمين إلا دينهم"، في محاولة لدمج الانتماء الديني بالهوية السياسية الكفاحية.تضمن برنامج الجريدة أهدافاً استراتيجية تمثلت في بيان أسباب السقوط وتداركها، وإزالة روح اليأس، والتمسك بأصول الأسلاف القوية، ودحض التهم الغربية التي تدعي تعارض الإسلام مع المدنية، بالإضافة لتقوية الروابط السياسية بين الأمم الإسلامية.وفي،هذا السياق 

تعد مناظرة الأفغاني لرينان في السوربون (1883م) محطة فكرية فارقة؛ حيث رد الأفغاني بنزعة عقلانية صلبة، مجادلاً بأن الجمود الحالي في العالم الإسلامي ليس أصيلاً في الدين بل حالة طارئة من الجهل. أقر الأفغاني بأن الصراع بين "الفكر الحر" و"العقيدة" هو سنة تاريخية لا تخص ديناً دون آخر، وهو طرح عقلاني فاجأ الأوساط الأوروبية.

وفي رسالته "الرد على الدهريين"، قدم دفاعاً سوسيولوجياً عن الدين كضمانة لاستقرار الأمم، معتبراً المادية خطراً يهدم الفضائل الأخلاقية كالحياء والأمانة والصدق الضرورية لانتظام السياسة.ربط الأفغاني بين "صفاء التوحيد" وتحرر العقل، مؤكداً أن الإسلام يحرر الإنسان من توسّط رجال الدين ويفتح باب الكمال للجميع.

وفي الرؤية السياسية 

أثار مفهوم "المستبد العادل" جدلاً في فكر الأفغاني؛ فبينما يرى البعض ترويجه لهذا المفهوم كحل للنهوض، تؤكد دراسات أخرى، كأبحاث أخرى منافحته عن الدستور والشورى كأدوات لكبح جماح السلطة. كان يرى أن الحاكم يجب أن يكون قوياً وعادلاً، لكن "بالقوة المقيدة بالدستور"، لأن القوة المطلقة تؤدي للاستبداد.

كما انخرط الأفغاني في بعض المحافل بمصر كوسيلة لتنظيم النخب السياسية، مستخدماً هذه المنصات لنشر مبادئ الحرية ضد امتيازات الأجانب. وعندما تبين له خضوع بعض المحافل لتأثيرات استعمارية، انخلع منها وحاربها، مما يعكس نظرته الحركية في خدمة التحرر الوطني.  

يظل الأفغاني كظاهرة نهضوية لها مرحلتها كما سنرى 

يظل جمال الدين الأفغاني "شرارة" التنوير التي ربطت بين العقيدة والحضارة، وبين الدفاع عن الدين والمطالبة بالحرية السياسية. إن أثره في مدرسة الإصلاح وفي الحركات الوطنية يظل حقيقة راسخة؛ فقد كانت جامعته الإسلامية استراتيجية جيوسياسية ضرورية لاستعادة كرامة الشرق. ويبقى فكره اليوم مادة خصبة لفهم جذور النهضة ومعوقاتها في العالم الإسلامي المعاصر. 

ونوصل القراءة في أهم خصائص هذه المرحلة 





*🔗الحلقة العاشرة🔗*


*🍃جمال الدين الأفغاني: خصائص الشخصية ومنابع القيادة🍃*


*مقدمة: طبيعة* مرحلة التأسيس وفلسفة القيادة

في قراءتنا لشخصية الأفغاني ومشروع النهضة، نجد أنفسنا أمام نموذج قيادي فريد يرتبط فيه نجاح الفكرة بصلابة الشخصية المؤسسة. إن مرحلة التأسيس، بخلاف مراحل النضج الفكري عند مفكرين مثل بن نبي أو جاسم سلطان، تعتمد اعتماداً كلياً على الكاريزما الذاتية والسمات الأخلاقية للمؤسس، وهو ما يتجلى بوضوح في سيرة السيد جمال الدين الأفغاني.


أولاً: التكوين الخَلقي والسمات المزاجية

قدم تلامذة الأفغاني ومعاصروه وصفاً دقيقاً يربط بين ملامحه الجسدية وبين طاقته القيادية: الوصف الجسماني (رواية محمد عبده): يصفه الأستاذ الإمام بأنه كان يمثل صورة العربي المحض من أهالي الحرمين؛ ربعة في طوله، متناسب البنية، قمحي اللون، عظيم الرأس والجبهة، واسع العينين، جليل النظر، هش بش عند اللقاء.

• المزاج النفسي: كان "عصبي دموي المزاج"، يجمع بين الحلم العظيم والغضب الشديد إذا مُس شرفه أو دينه، فيتحول من حليم أواب إلى "أسد وثاب".

• النمط المعيشي (رواية أديب إسحاق): عُرف بعفة النفس والزهد، فكان عزباً، قليل الأكل (مرة واحدة في اليوم)، كثير السهر والقيام، مدخناً نهماً للشاي والتبغ، قوياً في حجته ونبيهاً في كشف الضمائر.


ثانياً: منابع القيادة و"علو النفس"

تعتبر صفة "علو النفس" هي الركيزة الأساسية والصفة الجامعة التي انبثقت عنها سائر أخلاق الأفغاني، وتجلت في مواقف عديدة:

1. الترفع عن الماديات: كان ينظر للمال نظره للتراب، ورفض محاولات السلطان عبد الحميد لإغوائه بالثروة أو الزواج أو المناصب الرسمية (مثل رتبة قاضي عسكر) أو الأوسمة المزركشة.

2. الأنفة عند المحن: حين نُفي من مصر في عهد الخديوي توفيق، نزل إلى السويس خالي الوفاض، ورفض عطايا مالية من قنصل إيران وتجار العجم، مؤثراً الحفاظ على كرامته على قبول المساعدة.

3. اللذة العقلية: يذكر الأمير شكيب أرسلان أن الأفغاني كان يعظم نفسه عن الشهوات الحسية، ولا يجد لذته إلا في المعرفة والفكر.


ثالثاً: المنهج العقدي والرد على الدهريين

يظهر صدق إيمان الأفغاني وفلسفته العميقة في رسالته الشهيرة "الرد على الدهريين"، التي ألفها باللغة الفارسية ونقلها محمد عبده للعربية. استهدفت الرسالة تفنيد مذهب "النيتشرية" (الطبيعيين) في الهند، مبيناً أن الدين هو أساس المدنية وأن الكفر فساد للعمران.

1. العقائد الثلاث التي أودعها الدين في العقول:

• التصديق بشرف الإنسان: الإيمان بأن الإنسان "ملك أرضي" وأنه أشرف المخلوقات.

• عزة الأمة: يقين المؤمن بأن أمته هي الأرقى، مما يحفز على النهوض.

• الإيمان بالكمال الأخروي: اليقين بأن وجودنا في الدنيا هو تمهيد للعروج إلى عالم أرفع وأوسع.

2. الخصال الثلاث التي يبنيها الدين في النفوس:

• الحياء: كوازع عن القبح.

• الأمانة: كأساس للثقة الاجتماعية.

• الصدق: كعماد للروابط البشرية.

ويرى الأفغاني أن الإيمان بصانع عالم بالخفيات وبجزاء بعد الموت هو الوازع الحقيقي الوحيد الذي يكبح الشهوات ويحقق الأمن الاجتماعي، وبدونه تتحول القلوب إلى مساكن لشياطين الرذائل.

رابعاً: أركان الإسلام الأربعة في بناء الحضارة

حدد الأفغاني أربعة أصول يتميز بها الإسلام وتجعله صالحاً لقيادة المدنية:

1. صقال التوحيد: تطهير العقل من الأوهام والخرافات والاعتماد على الله وحده.

2. فتح أبواب الشرف للجميع: محق امتياز الأجناس والأصناف، وجعل التفاضل بالعقل والفضيلة فقط.

3. الاحتكام إلى العقل: الإسلام ينفرد بتقريع من يعتقد بلا دليل، ويجعل السعادة نتيجة للبصيرة.

4. إيجاب التعليم: فرض تعليم الأمة وتعيين المؤدبين والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر.

خامساً: الموسوعية العلمية والمجالس الفكرية

وصف محمد عبده علم الأفغاني بأنه "أقصى ما قُدر لغير الأنبياء" من نفوذ البصيرة وسعة العقل:

• القدرة التحليلية: كان يحل أعقد المسائل وكأنها "صنع يديه"، وله حذق في صناعة الحجة لا يلحقه فيه أحد.

• الذكاء اللغوي: أتقن لغات عديدة (الأفغانية، الفارسية، العربية، التركية) وتعلم مبادئ الفرنسية في ثلاثة أشهر بمفرده.

• مجلسه (مدرسة متاتيا): كان مجلسه في "قهوة متاتيا" بالقاهرة مجمعاً لصفوة العقول من مهندسين وأطباء وأدباء، يفيض عليهم من بحر علمه حتى الهزيع الأخير من الليل.

سادساً: الأفق السياسي والاجتماعي (اللغة والفتح والجزية)

اتسم تفكير الأفغاني السياسي بنظرة تاريخية تحليلية عميقة:

1. تأثير الفتح العربي واللغة:

يرى أن سر انتشار العربية لم يكن القهر، بل الفضائل التي حملها العرب (الأنفة من الكذب، العدل، المساواة). فالإنسان ينفعل بالروح والشعور، مما دفع الأمم المستعربة لمحاكاة آداب العرب ولغتهم طواعية.

2. نقد السياسة العثمانية:

اعتبر الأفغاني أن عدم اتخاذ الدولة العثمانية للغة العربية لغة رسمية كان "خطأً تاريخياً". ولو تعرّب الأتراك بدلاً من محاولة "تتريك العرب"، لاندفعت النعرة القومية، ولاستطاعة الخلافة جمع شتات العالم الإسلامي تحت راية واحدة تعيد عصر الرشيد.

3. ماهية الجزية:

فسر الجزية فلسفياً بأنها ليست "ضريبة إكراه"، بل هي بدل اشتراك مالي يضمن لغير المسلم الحماية والمساواة الحقيقية في الحقوق والواجبات، وهي تعبير عن رغبة الإسلام في حقن الدماء وتأسيس العدالة، بخلاف حروب الاستعمار الغربي التي تهدف للاستعباد.

خاتمة: إن شخصية جمال الدين الأفغاني تمثل المزج المتكامل بين "العلم النظري" و"القوة القيادية"، وهي الشخصية التي وضعت اللبنة الأولى لمشروع النهضة عبر علو نفسها، وصفاء عقيدتها، واتساع أفقها السياسي.






*🎋القابلية للاستعمار وجدلية الحقوق والواجبات في فكر مالك بن نبي🎋*


*🔗المقال الثاني عشر🔗*


يُعد مفهوم "القابلية للاستعمار" من أبرز الإسهامات الفكرية للمفكر الجزائري مالك بن نبي، حيث يمثل أداة تحليلية لسبر أغوار الانحطاط الحضاري. ونحاول استعراض المفهوم في سياقاته المختلفة، والتمييز بين المؤثرات الخارجية (الاستعمار) والمؤثرات الداخلية (الذات)، وصولاً إلى الرؤية البديلة التي تقترح الانتقال من ثقافة "المطالبة بالحقوق" إلى ثقافة "القيام بالواجبات".

اولا  تعريف مفهوم "القابلية للاستعمار" وسياقاته

يشير بن نبي من خلال استقراء مؤلفاته إلى أن "القابلية للاستعمار" ليست مجرد حالة سياسية، بل هي صفة اجتماعية ونفسية تعتري الشعوب في مراحل معينة:..لاحظ مفهوم الغثائية في سياق مقارب،،

1. المستوى الحضاري: تعادل هذه الصفة وضعية "مجتمع ما بعد الحضارة"، أو ما يسميه بن نبي "إنسان ما بعد الموحدين". وهي تمثل حالة الانهيار التي تسبق بزوغ فجر دورة حضارية جديدة.

2. الواقع الميداني (الحالة الجزائرية): وهي موطن بن نبي .في كتابه "شروط النهضة"، يصف بن نبي كيف أدركت الإدارة الاستعمارية القيمة الكامنة في الشعب الجزائري، فعملت منهجياً على الحط منها، لا سيما بعد عام 1870.


ثانيا، ثنائية "المعامل الاستعماري" و"المعامل الداخلي"

يفرق بن نبي بين نوعين من التأثيرات التي تصيغ واقع الفرد في المجتمعات المستعمرة:

1. المعامل الاستعماري (خارجي)

هو خطة منهجية تهدف للتنقيص من القيمة الإيجابية للفرد، ويظهر في:

• التعليم: حرمان الطفل من المدارس والتوجيه، ووضع العراقيل أمام الناجحين.او الانحراف بالمبدا التعليمي 

• الاقتصاد والاجتماع: نسج شبكة من التضييق تجعل أبسط الحقوق (بيع، شراء، سفر، اتصال) لا تُنال إلا بشق الأنفس.

• الهدف: حصر نشاط الفرد في الحدود التي يرسمها المستعمر فقط.

2. المعامل النفسي (داخلي)

هو الأخطر في نظر بن نبي، حيث يجعل الفرد يقبل بالوضع المفروض عليه داخلياً:

• قبول الحدود التي رسمها المستعمر.

• تبني المسميات الاستعمارية (مثل لقب "النخب " الذي أطلقه بعض المثقفين على أنفسهم).

• التعريف الإجرائي: هي جملة الخواص الاجتماعية التي تسهل سيطرة الغزاة وتديم انحلال الحضارة.

اعنى حالة القابلية 

ثالثا: التمييز بين الاحتلال العسكري والقابلية للاستعمار

يؤكد بن نبي أن الاحتلال لا يعني بالضرورة وجود "قابلية للاستعمار"، ويضرب لذلك مثالين متقابلين:

• ألمانيا: تعرضت للاحتلال العسكري بعد الحرب العالمية الثانية، لكنها ظلت "غير قابلة للاستعمار" لتماسك بنائها الاجتماعي وقوتها الحضارية.

• اليمن: لم يتعرض للاحتلال المباشر تاريخياً (في سياق معين)، ومع ذلك يراه بن نبي "قابلاً للاستعمار" كغيره من المجتمعات الإسلامية التي فقدت شروط النهضة.


رابعا: نقد المفهوم والوجه الإيجابي له

رغم النقد الموجه للمفهوم (باعتباره قد يغفل الخصائص الجوهرية للحضارات غير الغربية أو يُستغل لتبرير الاستعمار)، إلا أن له وجهاً إيجابياً ضرورياً:

• النقد الذاتي: يدفع المجتمعات المسلمة للتركيز على عيوب التركيبة الاجتماعية الداخلية.

• تفكيك "مشجب الاستعمار": يرفض بن نبي الفكر السياسي الذي يعلق كل المشاكل على شماعة الاستعمار، ويرى أن التخلص من الاستعمار المباشر لم يحل مشكلات التخلف الاقتصادي أو التبعية للغرب.

خامسا: من ثقافة "الحقوق" إلى فلسفة "الواجبات"

يرى بن نبي أن الطريق الوحيد لاستعادة الحقوق يمر عبر بوابة الواجبات، ويستدل على ذلك بنماذج تطبيقية:

1. نقد النخب والتيارات السياسية

• المدافعون عن الاستعمار: يلومون الإسلام زوراً على التأخر.

• القوميون: يلقون اللوم كله على الاستعمار، مما يخلق حالة من "التخدير" للشعوب ويصرفها عن مسؤوليتها الذاتية.

2. نماذج المقاومة بالواجب (المثال اليهودي والجزائري)

يضرب بن نبي مثلاً بالطائفة اليهودية في الجزائر عام 1940؛ فعندما حُرموا من المدارس بقرار من حكومة موالية للنازية، لم يكتفوا بالشكوى، بل:

• حولوا البيوت إلى مدارس تطوعية.

• قام المهندسون والأطباء بالتدريس فيها.

• أنقذوا تجارتهم بالتضامن الداخلي.

وفي المقابل، ينتقد بن نبي تقاعس المتعلمين المسلمين عن ابتكار حلول مشابهة لمكافحة الأمية في مجتمعهم.

3. الصعيد الدولي (مؤتمر 77)

انتقد بن نبي الدول النامية في مؤتمر عام 1967، لأنها ركزت على مطالبة الغرب بـ 1% من دخله للتنمية (مطالبة بالحقوق)، بينما عجزت عن وضع "التزامات وواجبات" صارمة على أعضائها، مخاطبةً العالم بلغة أخلاقية لا يفهمها منطق القوة والسياسة.

خاتمة

ينتهي مالك بن نبي إلى أن التغيير الخارجي مشروط بالتغيير الداخلي، مستشهداً بقوله تعالى: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" إن القابلية للاستعمار هي "مرض داخلي" علاجه لا يكون بالصراخ للمطالبة بالحقوق، بل بالنهوض لتأدية الواجبات وبناء الذات الحضارية القادرة على فرض احترامها.





النهضة عند مالك بن نبي من الحقوق ا إلى الواجبات 

[الحلقة][ 13] 

نواصل استعراصنا لجهود مالك بن نبي حول قضية "النهضة"، مبرزين  تركيزه على البعد الداخلي للإنسان كمنطلق أساسي لأي تغيير حضاري. نلاحظ  نقد بن نبي لظاهرة "فرط التسيس" المحنة الكبرى وتقديم مبدأ الحقوق على الواجبات، لاحظ الحالة السودانية، كما يستعرض أدواته التحليلية المتميزة لفهم "الفعالية الاجتماعية" من خلال مفاهيم: المعادلة الاجتماعية، المنطق العملي، والتوجيه.

أولاً: مفهوم النهضة بين التغيير النفسي والسراب السياسي

يرى مالك بن نبي أن النهضة في جوهرها مسألة داخلية تبدأ من نفس الفرد قبل أن تنعكس على بناء الدولة. ومن هذا المنطلق، يضع بن نبي "مبدأ الواجبات" كأولوية تسبق "مبدأ الحقوق".

1 التجربة الجزائرية (1925): نموذجاً للنهضة المجهضة وهي موطنه 

يستشهد بن نبي بفترة الانبعاث الفكري والروحي التي شهدتها الجزائر عام 1925 بقيادة العلماء الإصلاحيين، حيث:

. سرت روح جديدة في المجتمع، وتأسست المدارس.

. تغيرت السلوكيات الاجتماعية (هجر الحانات وعمارة المساجد).

. تحول الفرد من "عاجز" مستسلم إلى طالب علم ومسؤول.

2  الانزلاق نحو "السراب السياسي"

يرصد بن نبي كيف تبددت هذه النهضة حين تم استدراج المجتمع إلى "أوهام السياسة الفوقية". وبدلاً من أن تكون البلاد "ورشة للعمل"، تحولت إلى "سوق للانتخابات"، حيث ساد منطق المطالبة بالحقوق المهدورة ونسيان الواجبات الضرورية لبناء الذات الحضارية[الحالةالسودانية]

ثانياً: أزمة "فرط التسيس" والبحث عن الوصفات الجاهزة

يعاني الفكر السياسي العربي المعاصر مما يمكن تسميته "فرط التسيس"، وهو التركيز الكلي على استلام السلطة كحل سحري للمشكلات الحضارية.ايضا نفس الحال 

يقول مالك بن نبي: "لقد أصبحنا لا نتكلم إلا عن حقوقنا المهضومة، ونسينا الواجبات، ونسينا أن مشكلتنا ليست فيما نستحق من رغائب، بل فيما يسودنا من عادات وما يراودنا من أفكار".

أوهام الحل الوحيد

ينتقد بن نبي تعليق الفشل على "مشاجب" خارجية (الاستعمار، التجزئة، النظام الطبقي، عدم تطبيق الشريعة) وانتظار "عيد موعود" يحل المشكلات بلمسة واحدة. ويرى أن النهضة هي تراكم لـ "أعمال صغيرة" هي مجموع الواجبات الفردية، وليست مجرد قرار سياسي فوقي.

ثالثاً: الفعالية الاجتماعية وصناعة التاريخ

يربط بن نبي بين حركة الإنسان وحركة التاريخ؛ فالتاريخ ليس قدراً أعمى بل هو نتاج إرادة بشرية فاعلة.

. تعريف الفعالية: هي قدرة الإنسان على أن يكون "صانعاً للتاريخ" وليس مجرد منفعل به.

. الإرادة والمحرك: يشبه بن نبي العلاقة بين المجتمع الفعال والمجتمع الخامل بعلاقة "الطفل بالجمل"؛ فالطفل (رغم صغره) يملك الإرادة التي تجعله يقود الجمل (رغم ضخامته).

. محفزات الفعالية: تظهر الفعالية لدى الأفراد عندما يشعر المجتمع بالقلق أو الخطر، وتبرز "الفكرة" التي ترسم طريق الخلاص.

رابعاً: ثنائية المعادلات الإنسانية (البيولوجية والاجتماعية)

يُقدم مالك بن نبي تحليلاً عميقاً للفوارق بين المجتمعات من خلال التمييز بين نوعين من المعادلات التي تحكم سلوك الفرد وإنتاجيته الحضارية، مستنداً في ذلك إلى تجربة تاريخية مفصلية:

1. لغز تجربة "الدكتور شاخت" في أندونيسيا

يسوق بن نبي تجربة الخبير الألماني الدكتور "شاخت" الذي وضع مخططاً اقتصادياً لألمانيا (1933-1936) أدى لنهضة عاصفة، وعندما طُلب منه تطبيق المخطط عينه في أندونيسيا أواخر الأربعينات -بإمكانات مادية تفوق ما كان متاحاً لألمانيا- مُني المخطط بفشل ذريع.

يرى بن نبي أن سبب الفشل لا يعود لنقص في الموارد، بل في "المعطى البشري"؛ حيث صُمم المخطط ليناسب المعادلة الشخصية للفرد الألماني، بينما اصطدم عند التطبيق بـ المعطى الاجتماعي للفرد الأندونيسي.


2 مفهوم المعادلة البيولوجية

وهي "منحة الله" لجميع البشر على حد سواء، ولا يختلف فيها مجتمع عن آخر. تمثل هذه المعادلة الطاقة الخام والقدرات الفطرية الكامنة في الإنسان ككائن حي. هي الجانب المشترك الذي يتساوى فيه المسلم والألماني والياباني من حيث الخصائص الحيوية الأساسية.

3  مفهوم المعادلة الاجتماعية

هي المتغير الحاسم في عملية النهضة، وهي نتاج البيئة، الثقافة، والتراكم التاريخي.

. الوظيفة: هي "القاسم المشترك" الذي يطبع سلوك الأفراد في مجتمع معين ويحدد درجة فعاليتهم أمام المشكلات.

. الصيرورة: تختلف من مجتمع لآخر، ومن عصر لآخر داخل المجتمع نفسه تبعاً لدرجة النمو أو التخلف.

. طرق التكوين: يرى بن نبي أنها إما أن تتكون تلقائياً عبر القرون، أو إرادياً من خلال قرارات صارمة لمواجهة الضرورات (كما فعلت اليابان والصين).

4  الاستنتاج البحثي

يخلص بن نبي إلى أن الفرد قد يمتلك المعادلة البيولوجية (القدرة الكامنة) لكنه يفتقد الفعالية لأن "معادلته الاجتماعية" لم تتهيأ بعد للعمل الحضاري. لذا، فإن استيراد "المخططات الجاهزة" من الخارج دون مراعاة تباين المعادلات الاجتماعية هو هدر للإمكانات، والمجتمع الإسلامي اليوم مطالب بصياغة معادلته الاجتماعية بمنهجية "حالة الطوارئ" لا بتركها للصدف التاريخية.

خامساً: المنطق العملي وتوجيه الإمكانات

يشخص بن نبي علة كبرى في المجتمع الإسلامي وهي "اللافاعلية"، الناتجة عن فقدان "المنطق العملي".

. تعريف المنطق العملي: هو استخراج أقصى فائدة ممكنة من الوسائل المتاحة (الوقت، العلم، المال).

. مظاهر غيابه: التفكير المجرد الذي لا يتحول إلى عمل، وتضييع الوقت، وكراهية الأفكار التي تفرض التزامات سلوكية.

.الحل المقترح: ضرورة صياغة المعادلة الاجتماعية بصورة "منهجية وإرادية" (كما فعلت اليابان والصين)، بدلاً من تركها للتجارب العشوائية الطويلة.

خاتمة: الثورة من أسفل إلى أعلى

إن التغيير المنشود عند بن نبي لا يأتي من "الرجل الوحيد" أو "المنجز الخارجي"، بل هو ثورة نهضوية سلمية داخلية تبدأ من الفرد وتجبر البناء الفوقي (السياسي) على التماثل معها، مصداقاً لقوله تعالى: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".



*🎋القواعد الإستراتيجية في الصراع والتدافع الحضاري🎋*

           

*🔗الحلقة (15)🔗*


الشخصية الثالثة والتي نقف عند مشروعها النهضوي شخصية د.جاسم سلطان، وان كنا  جعلنا شخصية جمال الدين الأفغاني لمرحلة نداء النهضة وبن نبي فكرة النهضة فان جاسم سلطان، يمثل منهجية النهضة وسوف نتناول مشروعه في مجموعة من المقالات ونختم به البعد الفكري 

تمثل قضية النهضة

الهاجس الأكبر الذي راود العقل العربي والإسلامي منذ بدايات عصر النهضة الحديث،  هاجس النهضة كما وضح، غير أن المقاربات التي تناولت ظلت متاثرة بطبيعة التحديات وربما بعد اكتمال مطلوبات التنبيه ومقتضيات التاسيس الفكري كان لابدمن التاطير الإستراتيجي. في هذا السياق، يأتي مشروع لدكتور جاسم سلطان، وبشكل خاص كتابه "قوانين النهضة: القواعد الإستراتيجية في الصراع والتدافع الحضاري"، ليقدم محاولة جادة لإعادة صياغة العقلية القيادية  وفق أسس علمية وإستراتيجية صارمة. يرتكز هذا البحث على تحليل المادة المعرفية التي طرحها سلطان، مع التركيز على الأبعاد الإستراتيجية التي تهم المنشغلين بالدراسات الأمنية والإستراتيجية، حيث يسعى إلى تفكيك آليات النهوض الحضاري وتحويلها من مجرد "أمنيات" إلى "مسارات علمية" خاضعة للقياس والتنفيذ.

اولا، ، المنطلقات الإبستمولوجية والتحول من الصحوة إلى اليقظة

تبدأ الرؤية الإستراتيجية عند جاسم سلطان بضرورة التمييز الحاد بين طورين من أطوار الحراك المجتمعي: طور "الصحوة" وطور "اليقظة". يرى المؤلف أن مرحلة الصحوة التي عاشتها الأمة لعقود، ورغم ما أنبتته من "نبات حسن" وتمسك بالهوية، إلا أنها افتقرت إلى "العقل المرشد" والرؤية الإستراتيجية الواضحة، مما جعلها عرضة للارتجال والتخبط. إن الإشكال الأساسي في مرحلة الصحوة يكمن في تغليب العاطفة على الحسابات الإستراتيجية، وهو ما يفسر فشل العديد من الحركات في تحقيق نتائج مستدامة رغم التضحيات الجسام.

تنتقل "اليقظة" بالمجتمع إلى مستوى أعلى من الوعي، حيث يتم الاعتماد على "أدق قواعد البحث العلمي" و"أقصى درجات الإعداد". في هذه المرحلة، لا يعود الحراك عشوائياً، بل يصبح محكوماً بفهم عميق لسنن الله في الكون والمجتمع، وهي السنن التي وصفها المؤلف بأنها "غلابة" ولا يمكن تصادمها، بل يجب استخدامها وتحويل تيارها لصالح المشروع النهضوي.

ويمكن تلخيص الفروق الجوهرية بين الطورين في عدة نقاط محورية؛ فبينما يعتمد طور الصحوة على العاطفة والاندفاع الإيماني العام كمحرك أساسي، يرتكز طور اليقظة على العقل المرشد والبحث العلمي الدقيق. وفي حين يتسم التفكير في مرحلة الصحوة بالنمط الخطي والبسيط، ينتقل في اليقظة إلى التفكير الإستراتيجي المركب والمنظومي. كما تعتمد الصحوة في تعاملها مع الواقع على الارتجال والنوايا الحسنة، بينما تفرض اليقظة إعداداً مسبقاً وفهماً لتعقيدات الموقف. ومن الناحية التاريخية، تكتفي الصحوة برؤية تبسيطية لتجارب الماضي، في حين تستنبط اليقظة القواعد والسنن من حركة التاريخ. وأخيراً، تكون مرحلة الصحوة عرضة للانكسار السريع أمام التحديات، بينما تمنح اليقظة المجتمع قدرة على التكيف والمناورة الإستراتيجية المستدامة. بالنسبة لطالب الدراسات الإستراتيجية، فإن هذا التحول يعني الانتقال من "إدارة الأزمات بردود الأفعال" إلى "التخطيط الاستباقي" القائم على قوانين ثابتة.

إن هذا التأصيل يفرض على القيادات الإستراتيجية ضرورة "علم السنن الإلهية" أو "علم السياسة الدينية" كما أسماه محمد رشيد رضا ومحمد عبده، وهو العلم الذي يضع القواعد الثابتة للصراع والتدافع. ويؤكد سلطان أن من سار على هذه السنن ظفر بالفوز وإن كان ملحداً، ومن تنكبها خسر وإن كان نبياً، مما ينزع القداسة عن الفشل الناتج عن سوء التخطيط ويعيد الاعتبار للكفاءة العلمية كشرط أساسي للتمكين.

ثانيا: البنية الهيكلية لقوانين النهضة العشرة

يقترح مشروع النهضة عشرة قوانين كبرى تشكل في مجموعها نظاماً تشغيلياً للحضارة، وهي ليست مجرد نصائح، بل هي "قواعد إستراتيجية" تحكم حركة الصعود والهبوط.

القانون الأول: الفكرة المركزية (The Core Idea)

يمثل هذا القانون حجر الزاوية في أي بناء نهضوي؛ فلكل حضارة فكرة ناظمة تعطي النظام شخصيته وتحدد بوصلته. يرى سلطان أن الفكرة المركزية تتكون من "جزء صلب" يمثل الثوابت والمنطلقات الكبرى، و"جزء مرن" يتكيف مع المتغيرات. في الحالة الإسلامية، تتبلور الفكرة المركزية حول "العدل الجماعي" و"العبادة الفردية"، بحيث تصبح هذه الفكرة مشروعاً للخلاص الفردي والجماعي. من منظور إستراتيجي، الفكرة المركزية هي التي تمنح "الشرعية" و"الاتجاه" للفعل السياسي والعسكري، وبدونها يصبح الحراك الحضاري جسداً بلا روح.

القانون الثاني: المكنة النفسية والقوة الدافعة

لا يمكن للأفكار أن تتحول إلى واقع دون وجود "طاقة دافعة" في نفوس الحاملين لها. يتطلب هذا القانون ثلاثة أركان: الإيمان العميق بالفكرة، الاعتزاز بها كمشروع يستحق التضحية، والأمل في إمكانية تحقيقها. يعالج هذا القانون إشكالية "الهزيمة النفسية" التي تجعل الأمم ترى نفسها عاجزة أمام الآخر المتفوق. إن البعث النفسي هو فن تحويل "اليأس" إلى "عمل"، وهو ما يتطلب دراية بآليات الحرب النفسية والدعاية السياسية وصناعة الرأي العام.

 ثالثا: التغير الذاتي (Self-Transformatio)

يرتكز هذا القانون على المبدأ القرآني (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، وهو يمثل الانتقال من "القيم النظرية" إلى "القيم الإجرائية". يشدد سلطان على أن النهضة تبدأ من "الداخل"، حيث يجب على الفرد والمجتمع الانفكاك من عادات التخلف وتبني قيم العمل والوقت والحرية والكرامة. الإستراتيجية هنا لا تعني فقط تغيير الأنظمة، بل هندسة الإنسان الجديد القادر على تشغيل تلك الأنظمة.

 رابعا: اختيار شرائح التغيير (Selection of Segments)

من الأخطاء الإستراتيجية القاتلة محاولة تغيير المجتمع دفعة واحدة أو الانشغال بالحشود غير المنظمة. يركز هذا القانون على ضرورة تحديد "الكتلة الحرجة" (Critical Mass) من القادة والكوادر المؤثرة التي يمكنها سحب المجتمع نحو المستقبل. هذه الكتلة هي "القاطرة" التي تتغلب على قوى الجذب نحو الماضي وتجارب الفشل السابقة.

القانون الخامس: الخصوبة والاستدامة (Fertility)

يقاس نجاح المشروع النهضوي بقدرته على التوسع الذاتي وتوليد مبادرات فرعية تعزز المسار الرئيسي. الخصوبة تعني أن الفكرة تمتلك جاذبية طبيعية تجعلها قادرة على اختراق شرائح مجتمعية متنوعة وتحويلها إلى طاقات منتجة.

 خامسا: المؤشرات الحساسة ونظام القياس

في مرحلة اليقظة، لا مكان للتقييمات الانطباعية؛ بل يجب الاعتماد على "الأرقام والمؤشرات" لضبط مسيرة النهضة. يحدد سلطان أربعة معايير أساسية للقياس الإستراتيجي: الوقت المستغرق، التكلفة المادية والبشرية، المواصفات المحققة، ودرجة التحكم في المسار. التحذير هنا من "القراءات الوردية" للواقع التي تخفي مواطن الخلل وتؤدي إلى كوارث إستراتيجية مفاجئة







تكنولوجيا التدافع الحضاري وإدارة الصراع

..الحلقة[16 ]...         ....

ونصل الحديث حول مشروع د.جاسم سلطان، 

يمثل مفهوم "التدافع" المحرك الأساسي لحركة التاريخ في فكر جاسم سلطان، وهو مفهوم يتجاوز الصدام العسكري المباشر إلى مستويات أكثر تعقيداً. يرى سلطان أن التدافع الحضاري هو الحالة الطبيعية للبشرية، وأن الأمة التي تنسحب من ميدان التدافع تحكم على نفسها بالاندثار.

وتتوزع مجالات التدافع على ثلاثة مستويات رئيسية: أولاً، مجال الأفكار، حيث يدور الصراع فيه حول المنطق والذكاء والمحتوى القيمي، وتبرز فيه أدوات التعليم والبحث العلمي والإعلام والدبلوماسية الثقافية كأدوات إستراتيجية. 

ثانياً، مجال التنظيم، وهو صراع بين درجات تعقيد وإحكام البنى المؤسسية، ويُدار عبر التخطيط الإستراتيجي والحوكمة وإدارة الكفاءات.

 ثالثاً، مجال الأشياء، الذي يركز على القدرة على توظيف الموارد والتقنية، وتعد أدواته الإستراتيجية هي الاقتصاد والتصنيع والقوة العسكرية واللوجستيات.

من منظور الدراسات الإستراتيجية، فإن التفوق في "مجال الأشياء" وحده لا يكفي؛ فكم من أمة امتلكت الموارد (عالم الأشياء) ولكنها افتقرت إلى الرؤية (عالم الأفكار) أو المؤسسات (عالم التنظيم)، فكانت نتيجتها التبعية أو الانهيار. إن الصراع الحقيقي يدار في عقل القائد الذي يعرف كيف يمزج بين هذه المجالات الثلاثة لتحقيق "التفوق النسبي" في لحظة تاريخية معينة.

أدوات القوة في الصراع الحضاري

يقسم سلطان أدوات الصراع إلى ثلاثة أنواع رئيسية، مشدداً على أن القيادة هي "فن استخدام هذه الأدوات لبلوغ الأهداف" :

1. قوة الإقناع (Soft Power): وهي الأرقى والأكثر ديمومة، وتعتمد على جاذبية النموذج القيمي والقدرة على صياغة رواية مقنعة للجماهير والحلفاء.

2. قوة المال (Economic Power): وهي عصب الاستمرارية، وتتضمن القدرة على التمويل، فرض العقوبات الاقتصادية، وتحقيق الاستقلال المالي كشرط للقرار السياسي.

3. القوة الصلبة (Hard Power): وتشمل التفوق العلمي والتقني والصناعي والعسكري، وهي أداة "الردع" التي تمنع الخصوم من تهديد المصالح الإستراتيجية للمشروع.

إن التكامل بين هذه القوى هو ما يصنع "القوة الذكية"؛ فالاعتماد المفرط على القوة الصلبة دون إقناع يولد الكراهية والمقاومة المستمرة، بينما الاكتفاء بالإقناع دون حماية صلبة يجعل المشروع هشاً أمام الأطماع الخارجية.

الفصل الرابع: ديناميكيات التحول المجتمعي ومواجهة قوى السكون

يرى الدكتور جاسم سلطان أن التغيير النهضوي لا يتم في فراغ، بل يصطدم ببيئة قديمة متجذرة تمتلك مؤسساتها وحلفاءها السياسيين. يحدد المؤلف أربع مراحل حتمية يمر بها أي مشروع تغييري في مواجهته لـ "قوى السكون" :

1. مرحلة الإنكار: حيث تسود حالة من رفض الاعتراف بالحاجة للتغيير، وتتم المطالبة بالمزيد من "ذات الأنشطة القديمة" بانتظار نتائج مختلفة.

2. مرحلة المقاومة: وهي المرحلة الأصعب، حيث تبدأ قوى السكون بمواجهة دعاة الإصلاح بكل أنواع العنت، من الاغتيال المعنوي إلى الصدام المادي.

3. مرحلة الاكتشاف: مع توالي الانكسارات في الواقع القديم، تزداد جموع المقبلين على الأفكار الجديدة على سبيل الاستكشاف والتأكد.

4. مرحلة التبني والالتزام: وهي مرحلة نجاح الأفكار الجديدة في التحول إلى تيار غالب يباشر بناء العصر الجديد.

إن الوعي بهذه المراحل يمنح القائد الإستراتيجي "الصبر الإستراتيجي"؛ فلا ينكسر في مرحلة المقاومة، ولا يستعجل الثمار في مرحلة الاكتشاف، بل يعمل على بناء "الكتلة الحرجة" القادرة على العبور بالمجتمع






*🎋جاسم سلطان  نقد  الخطاب الحركي  وبناء الدولة القطرية🎋* 

*....    ......    ......*

*🔗الحلقة (17)🔗*

نواصل القراءة في مشروع د.جاسم،واستعراض رؤيته،

مع تاجيل ماياتي من استدراك ونقد في موضعه، 

حيث جعلنا ذلك ضمن المقارنة بينه، والافغاني وابن نبي، ،،

يقدم المشروع النهضوي رؤية نقدية عميقة للخطاب الإسلامي الحركي الذي ساد في مرحلة الصحوة. يرى جاسم سلطان أن التركيز على مفهوم "الخلافة" كهدف مباشر ومستعجل أدى إلى إهمال بناء "الدولة القطرية الناجحة". في ظل تعقيدات العالم المعاصر، يطرح سلطان أن النجاح الحقيقي يكمن في تقديم نموذج ناجح (خلقياً، قيمياً، ومادياً) على مستوى الدولة الوطنية، ومن ثم يمكن لهذا النموذج أن يشكل نواة لوحدات سياسية أكبر تقوم على المصالح والقيم المشتركة.

هذا النقد ينبع من إدراك سلطان لـ "أزمة الأيديولوجيات المغلقة" التي تكرر ذات المقولات دون مراجعة الواقع، وتعتبر الفشل سوء تطبيق لا خللاً في المناهج. الإستراتيجية الناجحة تتطلب "التفكير النقدي" الذي يسأل (لماذا) قبل أن يقبل أي فكرة، ويبحث عن الأدلة والبراهين بدلاً من الاعتماد على المسلمات التاريخية الجامدة.

التحديات الثلاثة الكبرى في الرؤية الإستراتيجية

يحدد سلطان ثلاثة تحديات مفصلية تتطلب استجابات نوعية :

• تحدي التخلف: ويتطلب استجابة "النهضة" عبر القوانين العلمية.

• تحدي الاستعمار: ويتطلب استجابة "التحرير" عبر امتلاك أدوات المنعة.

• تحدي التفتت: ويتطلب استجابة "الوحدة" عبر بناء الكيانات الكبرى.

إن مواجهة هذه التحديات لا تتم بالخطابات الإنشائية، بل ببناء "وعي مكافئ للواقع" السياسي والاقتصادي والتكنولوجي المعاصر. يشدد سلطان على أن النهضة ليست مجرد استيراد للتقنية، بل هي "تحول عميق في العقل والمنهج" يبدأ من مساءلة الذات.

منهجية إعداد القادة والتربية من أجل النهضة

يمثل مشروع "أدوات القادة" محاولة لتفكيك المعارف الكبرى وتبسيطها للشباب، لتوفير "الحد الأدنى من الوعي المكافئ للواقع". التربية هنا ليست مجرد حشو معلوماتي، بل هي "تحرير لإرادة الإنسان" وإطلاق لممكناته. يرى سلطان أن الخط الصاعد للتاريخ هو خط "تحرير إرادة الإنسان"، وعندما يتحرر الفرد ويصبح مشاركاً في القرارات السياسية، تبدأ النهضة الحقيقية.

الدعائم السبع للنهضة (The Seven Pillars)

يشكل قانون "الدعائم السبع" الإطار التنظيمي الذي يحول الفكر النهضوي إلى مؤسسة فاعلة :

1. الرؤية (Vision): تحديد الوجهة النهائية والهدف الإستراتيجي البعيد.

2. الرسالة (Mission): تحديد الغرض من الوجود والدور المجتمعي للمشروع.

3. القيم (Values): الضوابط الأخلاقية التي تحكم السلوك الفردي والمؤسسي.

4. الأهداف (Goals): النقاط المرحلية المحددة التي تترجم الرؤية إلى واقع.

5. الإستراتيجية (Strategy): المسار الكلي المتبع للوصول إلى الأهداف المنشودة.

6. المشاريع (Projects): الجانب التنفيذي الملموس الذي يطبق الإستراتيجية.

7. الوسائل (Tools): الآليات والأدوات المستخدمة في التنفيذ.

بدون هذا الهيكل، يظل المشروع النهضوي مجرد "خواطر" مبعثرة لا تلبث أن تذروها رياح الصراعات الحضارية.

القاعدة الذهبية في إدارة النواميس الإستراتيجية

يختتم جاسم سلطان تنظيره بقاعدة إستراتيجية مستلهمة من "رسالة المؤتمر الخامس"، وهي تمثل جوهر التعامل مع القوى الكبرى والسنن التاريخية :

• لا تصادموا نواميس الكون: لأنها غلابة ولا تحابي أحداً، والمصادمة تؤدي إلى الهزيمة الحتمية.

• واستخدموها: ابحثوا عن كيفية عمل القوانين الفيزيائية والاجتماعية وسخروها لصالحكم.

• وحولوا تيارها: بدلاً من الوقوف في وجه التيارات الحضارية الجارفة، حاولوا توجيه مسارها نحو أهدافكم.

• واستعينوا ببعضها على بعض: فهم التداخل بين السنن واستثمار قانون لمواجهة آثار قانون آخر في عملية توازن دقيقة.

هذه الرؤية تجعل من الفعل النهضوي "فعل هندسة" لا "فعل حماس"؛ حيث يصبح القائد الإستراتيجي بمثابة "المهندس" الذي يعرف كيف يوظف قوى الطبيعة والمجتمع لبناء صرح حضاري مستدام







*🎋خلاصات* *منهجية في رؤية*

 *د. جاسم سلطان🎋* 


*🔗الحلقة[ 18]🔗*


بناءً على هذه القراءة لمشروع النهضة عند الدكتور جاسم سلطان، يمكن الوقوف عند مجموعة من التوصيات الإستراتيجية التي تشكل خارطة طريق للعمل النهضوي المعاصر وفق رؤيته، ،

1. الانتقال الحتمي من "الصحوة" إلى "اليقظة": يجب على القيادات والمفكرين التوقف عن إدارة المشاريع بالعاطفة والارتجال، والبدء في بناء مؤسسات بحثية تعتمد أدق قواعد البحث العلمي لفهم تعقيدات الموقف الدولي والمحلي.

2. أولوية البناء الداخلي والتغير الذاتي: النهضة استحقاق يبدأ من تغيير البنية القيمية والسلوكية للفرد، فبدون "إنسان النهضة" لا يمكن تشغيل "أنظمة النهضة".

3. تبني إستراتيجية "القوة الذكية": يجب العمل على امتلاك مصادر القوة الشاملة (الإقناع، المال، والمنعة الصلبة) مع التركيز على بناء نموذج حياتي ملهيم يقلل من تكلفة الصراع ويزيد من جاذبية المشروع.

4. التركيز على الكتلة الحرجة والمشاريع النوعية: بدلاً من تشتيت الجهود في محاولات تغيير شاملة غير مدروسة، يجب التركيز على إعداد قادة نوعيين وبناء مشاريع نموذجية تكون بمثابة "القاطرة" للمجتمع.

5. الصبر الإستراتيجي والوعي بالسنن: إن طريق النهضة طويل ومليء بالعقبات، والنجاح يتطلب فكراً إستراتيجياً يؤمن بالتراكم طويل الأمد ولا يستعجل النتائج قبل نضج شروطها الموضوعية.

في الختام، يرمي د.جاسم ليمثل كتاب "قوانين النهضة" صرخة في وجه الركود الفكري والارتجال الحركي، ودعوة لصياغة "عقل إستراتيجي" جديد يجمع بين الإيمان بالقيم والبراعة في إدارة السنن، ليكون جديراً بحمل أمانة الاستخلاف والنهوض بالأمة من وهدتها.كما يرى  إن استيعاب هذه القوانين ليس ترفاً فكرياً، بل هو "ضرورة أمنية وإستراتيجية" لكل من يتصدى لقيادة العمل النهضوي في العصر الحديث






*🎋فكر النهضة البيئة والتحديات🎋*


*🔗الحلقة [ 20 ]🔗*


وفي ختام الحديث عن النهضة في دائرة الافكار وقد تناولنا ذلك من خلال القراءة الفكرية لثلاث شخصيات مركزية في هذا المشروع ولكل رؤيته وجهده كماوضح ، الافغاني ونداء النهضة ،ومالك بن نبي فكر النهضة، ود.جاسم سلطان منهجية النهضة، وفي هذا المقال، ننظر في البيئة واثرها على الوجهة والاولويات في خطاب النهضة ذلك لان تجريد الفكرة عن بيئتها يولد اضطرابا في معايير القياس ومفردات المقارنة،

اولا:

 جمال الدين الأفغاني

✨ عصره ونظرته ورؤيته.

جمال الدين الأفغاني ظهر في منتصف القرن التاسع عشر، حينما كانت الإمبراطوريات الأوروبية (خصوصاً بريطانيا وفرنسا) تسيطر على أجزاء واسعة من العالم الإسلامي في الهند, ومصر, وشبه الجزيرة العربية، بينما كانت الدولة العثمانية تتراجع تدريجيًا في القوة السياسية والعسكرية والثقافية. وكانت القراءات الغربية عن “التقدّم” تُستخدم للتبرير بسيطرة الغرب على الشرق. 

في هذا السياق، رأى الأفغاني أن الإسلام يمكن أن يكون قوة موحِّدة وعامل مقاومة حضاري في مواجهة الاستعمار، وليس مجرد تقليد ديني منعزل. ففهمه للواقع كان سياسيًا ومنهجيًا: حركة ضد الهيمنة، وحركة نحو إعادة تأهيل الأمة لتكون فاعلة في عصرها. وهنا يظهر أثر وتحدياته بصورة جلية 

.. مشروعه الفكري

• التجديد الديني والسياسي: وضع الإسلام كقيمة مركزية يمكن أن تصنع مشروع نهضوي يربط بين العقل والدين، ويرفض واقع  الجمودو التبعية الذي كان يعيق الأفكار في المجتمع الإسلامي. 

• الوحدة الإسلامية، دعا إلى توحيد المسلمين سياسيًا في مواجهة القوى الاستعمارية، معتبرًا أنها الحلّ الحقيقي لتجاوز التفكّك والضعف الذي كان ينعكس على الأمة. 

• النقد الحاد للاستعمار والسلطان: لم يكتفِ بمناهضة القوى الأجنبية فقط بل ناصب الحكّام الذين يجعلون شعوبهم خاضعة للاستعمار خصومًا لأفكاره، ورأى أنّ النهضة ينبغي أن تبدأ بتحرير الذات والوعي قبل التحرير السياسي. 

 تحدّيات عصره

واجه الأفغاني:

• اضطهادًا من السلطات الاستعمارية والمحلية على حدّ سواء بسبب خطابيه التحرّريين. 

• صعوبات في تأسيس منظومة إصلاحية موحدة بسبب كثرة الانقسامات الأيديولوجية في العالم الإسلامي. 

• تحديات معرفية في نشر أفكاره بسبب محدودية وسائل الاتصال والإعلام في ذلك الوقت.

 إرثه

تركَّز إسهامه في زرع فكرة إعادة بناء الذات الإسلامية على أسس معرفية، مقاومة للاستعمار، وموحدة للمجتمعات الإسلامية التي بدأت تتأسى بنمط جديد من التفكير السياسي والاجتماعي. 

 ثانيا:. مالك بن نبي: 

عرَّاب نظريّة النهضة الحديثة،،،

.. خلفية عصره السياسي والاجتماعي

مالك بن نبي عاش خلال القرن العشرين في فترة الاستعمار وما بعد الاستعمار والمواجهات المعقدة بين القوى الجديدة. بعد الحربين العالميتين، بدأت الدول الإسلامية تسعى إلى الاستقلال، لكن التحرّر السياسي لم يُترجَم دائمًا إلى تغيّر حضاري شامل. 

في هذه المرحلة، رأى بن نبي أن النهضة لا تبدأ بالاستقلال السياسي فقط، بل بالأساس من داخل الإنسان والمجتمع وثقافته. وكان اهتمامه منصبًا على فهم السبب العميق وراء تخلف الحضارات ،، سواء سياسيًا أو اقتصاديًا أو اجتماعيًا ،، مع تأكيده على أن الأفكار نفسها يمكن أن تكون عبارة عن قوة محرّكة أو قوة معيقة لأي مشروع نهضوي. 

.. رؤيته المركزية

• العقل والثقافة كنواة للنهضة: بن نبي يرى أن الأفكار المبدعة والمركّزة هي التي تصنع الحضارة، وأن غياب هذه الأفكار يعني إفلاسًا حضاريًا — أي عدم قدرة المجتمعات على إنتاج بدائل معرفية للنهوض. 

• الفكرة المركزية والروح الحضارية: شدّد على أن الروح الحضارية لا تُبنى بالتقليد، بل بواسطة رؤى فكرية متكاملة تُحوِّل الفرد والمجتمع إلى نشاط منتج وإبداعي. 

• ترابط الثقافة والاقتصاد: بن نبي لم يرَ التقدّم في مؤسسات أو نماذج اقتصادية فحسب، بل ربطها بتكوين ثقافي قوي يستند إلى قيم ومعرفة متجدِّدة. 

.. التحديات الحضارية في فكره

• العلاقة بين التقليد والحداثة: مالك بن نبي كان يذمُّ "التقليدية العقيمة" و"التقليد الغربي الأعمى" في الوقت نفسه، ويريد تيارًا مستقلًا يمتزج فيه إبداع الفكر الإسلامي مع أدوات العصر الحديث. 

• تجاوز النخبوية: حتى إن أفكاره العميقة قد تكون صعبة المنال لغير المتخصصين، مما يحدّ من انتشار مشروعه بشكل جماهيري واسع، وهو ما يُعد تحديًا حقيقيًا أمام تحقيق نهضة اجتماعية شاملة. 

.. إرثه

أثر بن نبي بعمق على الدراسات الحضارية والاجتماعية والسياسية، حيث وضع الإنسان والثقافة في قلب مشروع النهضة بدل التركيز فقط على البنى السياسية أو الاقتصادية. 

ثالثا:

 الدكتور جاسم سلطان:

 مهندس قوانين النهضة في العصر المعاصر

.. واقع عصره

يأتي الدكتور جاسم سلطان في عصرنا الحالي  حيث تعيش الأمة تحوّلات عميقة:

• استمرار الصراعات السياسية والاجتماعية.

• أزمات في الثقة بين الأجيال والحركات السياسية وتجلياتها الايدلوجية والسياسية

• بروز تحديات معرفية جديدة في عالم المعرفة الاستراتيجية والمعلوماتية. 

سلطان لا يناقش فقط متى تنهض الأمم بل كيف تنشأ النهضة بشكل عملي واستراتيجي، عبر استخلاص قوانين ثابتة تنظم حركة التحول الحضاري وتحدد آليات النهوض من الصفر حتى تمكين الدولة والمجتمع.  

..منطلقاته الفكرية

من أبرز أفكاره التي تميّزه:

• قوانين النهضة: هي مجموعة من القواعد الاستراتيجية التي تعتبر بمثابة شروط عمل مباشر للنهضة — من الفكرة المركزية إلى البعث النفسي، وصولاً إلى التمكين بعد الدولة. 

• أدوات القادة: يرى أن النهضة لا يمكن أن تتحقق دون قادة واعين قادرين على فهم قوانين التاريخ والسياسة والمجتمع وكيفية تطبيقها في الواقع. 

• التفكير الاستراتيجي والتاريخي: يؤسّس على أن فهم السياق التاريخي والعملية التكوينية للنهضة يمكن أن يحرِّر الإنسان من الجمود، ويمنحه رؤية واضحة للمعركة الحضارية. 

.. التحديات التي يطرحها

• التحوّل من خطاب نظري إلى قوانين قابلة للتطبيق: فكرة وضع "قوانين" للنهضة هي طرح جديد يتجاوز التحليل إلى أدوات عمل قابلة للتنفيذ. 

• التكامل بين مراحل الاستيقاظ والمعرفة والتطبيق: لنهضة حقيقية يجب أن تمر عبر استيقاظ معرفي، تغيير نفسي اجتماعي، وتعبئة عملية مشتركة من قِبل الأفراد والمؤسسات. 

..مابعد التجريب، القومي واليساري والحركي الاسلامي، ،،

.. إرثه المعاصر

سلطان يُعتبَر من بين المفكرين القلائل الذين يحاولون أن يجعلوا النهضة مشروعًا متدرّجًا وممنهجًا، ليس مجرد خطاب نظري عن ضرورة النهضة، بل  كخارطة طريق عملية في مواجهة الواقع المعقّد للقرن الواحد والعشرين.







*🎋النهضة ومشكلات التحيز الايدولوجي،*

*قراءة في اليساري، والعروبي والحركي الاسلامي🎋*


*🔗الحلقة[ 21]🔗*


ذكرنا من قبل اننا سوف نتناول سؤالات النهضة من خلال ثلاث ابعاد، الفكري الايدولوجي، السلطوي، ،

واكملنا الحديث عن الفكري وننتقل الآن الى الايدولوجي،، 

اذن،ماذا  نقصد بالايدولجي،؟

،نبدأ بتعريف المصطلح ثم نوضح التعريف الاجرائي ،

تُعدّ الأيديولوجيا من أكثر المفاهيم التباسًا وتعددًا في العلوم الاجتماعية والسياسية، إذ لا تستقر على تعريف واحد جامع، بل تتغيّر دلالاتها بتغيّر السياقات الفلسفية والاجتماعية والسياسية. وقد استُخدم المصطلح تاريخيًا للإشارة إلى نسق من الأفكار والقيم والتصورات التي تفسّر الواقع الاجتماعي وتبرّر أنماط الفعل السياسي والاجتماعي وتوجّهها.

يرجع الأصل الاصطلاحي للمفهوم إلى المفكر الفرنسي ديستوت دي تراسي (1801) الذي صاغه باعتباره علم الأفكار، ساعيًا إلى إخضاع الفكر الإنساني للدراسة العلمية،كما يذكر ذلك بعض الباحثين، غير أن المفهوم سرعان ما تجاوز هذا المعنى الحيادي، ليكتسب أبعادًا فلسفية وسياسية متباينة.

. تطور مفهوم الأيديولوجيا في الفكر الغربي

تنظر الفلسفة إلى الأيديولوجيا باعتبارها نسقًا فكريًا شاملًا يضم آراء سياسية وقانونية وأخلاقية ودينية وجمالية، تعبّر عن رؤية الإنسان  وذهب فلاسفة اليسار إلى ربطها بالبنية الاقتصادية والاجتماعية، واعتبارها تعبيرًا فكريًا عن مصالح الطبقة السائدة، وأداة لتبرير علاقات الهيمنة وإعادة إنتاجها. فالأفكار السائدة هي، في جوهرها، أفكار الطبقة المهيمنة.

رأى البعض ان الأيديولوجيا تُنتج عبر المثقفين العضويين، وتؤدي دورًا مركزيًا

.خصائص الأيديولوجيا

يمكن تلخيص الخصائص الأساسية للأيديولوجيا فيما يلي:

التعبئة والتحريك: تهدف إلى حشد الجماهير وتوجيه الفعل السياسي.

الشمولية التفسيرية: تقدم تفسيرًا كليًا للواقع الاجتماعي والتاريخي.

التحيز والتعصب: تقوم على أحكام مسبقة وتدّعي امتلاك الحقيقة.

الديناميكية المحدودة: تتغير تدريجيًا لكنها تقاوم التغيير الجذري.

التمييز بين الأصدقاء والأعداء: تؤسس لمنطق الصراع والإقصاء.

مخاطبة العاطفة أكثر من العقل: تعتمد الشعارات والرموز بدل البرهان العلمي.

وتتنوع تصنيفات الأيديولوجيا 

وتُظهر هذه التصنيفات أن الأيديولوجيا ليست قالبًا واحدًا، بل منظومة مرنة تتكيّف مع البنى الاجتماعية والتاريخية.

.وظائف الأيديولوجيا في المجال السياسي

تؤدي الأيديولوجيا عدة وظائف مركزية، أهمها:

وظيفة التجميع والهوية: توحيد الجماعة وبناء الانتماء.

وظيفة التبرير: إضفاء الشرعية على السلطة والسياسات.

وظيفة إخفاء المصالح: التستر على المصالح الطبقية أو السلطوية.

وظيفة التوجيه والاختيار: تحديد الأولويات والقيم الحاكمة للفعل السياسي.

وظيفة تبسيط الواقع: اختزال التعقيد الاجتماعي لتسهيل السيطرة والتوقع.

تُفهم الأيديولوجيا بوصفها فكرًا في حالة فعل، لا يقتصر على تفسير الواقع بل يسعى إلى تغييره أو تثبيته. وهي ملازمة للصراع السياسي والاجتماعي، إذ لا توجد ممارسة سياسية محايدة تمامًا من الأيديولوجيا. ومن ثمّ، فإن دراستها في العلوم السياسية لا تهدف إلى إدانتها أو تمجيدها، بل إلى تفكيكها نقديًا، وكشف علاقتها بالسلطة والمعرفة والمصالح

التعريفالاجرائي

اذن ماهو التعريف الاجرائي الذي يذهب اليه هذا البحث وهوتعريف يأتي داخل الافق الذاتي والسياق الفكري بخصوصيته،،

فلايدلوجية يقصد بها النسق الفكري الذي يحكم مذهبية فكرية سياسية ويكسبها الرؤية الآنية والاداة الفاحصةالتاريخية وادوات القراءة المستقبلية 

ومنذ ثم يكسبها ذلك سياجا حاكما يكسبها خصوصيتها وتميزها وهي داخل الافق الاسلامي تمثل اجتهادا يتناقض في بعض درجاته مع سعة الفقه ورحابته وقابليته للاخذ والعطاء دون نسبة العصمة للاجتهاد البشري، 

ان الايدلوجية يمكن ان تكون حالة ذرائعية داخل الافق الاسلامي وليست موقفا اصيلا، ،كما سوف نلاحظ ذلك، عند قراءتنا، لليساري، والعروبي، والحركي الاسلامي. 


*✍️البروفيسور/إبراهيم أحمدمحمدالصادق الكاروري*

🌴🌴🌴🌴🌴


مواد مرئية

ما طبيعة هيئة علماء السودان ومن أين يأتي تمويلها؟

الأستاذ الدكتور إبراهيم الكاروري

محاضرة بعنوان: فقه الدعوة 1

أمين عام هيئة علماء السودان إبراهيم الكاروري: "السودان أقوى من هؤلاء وسيستعيد عافيته قريبا"

هل المظاهرات خروج على الحاكم؟

لماذا تسقط الأمم وكيف تنهض؟ قراءة في فكر ابن خلدون ومالك بن نبي | د. جاسم سلطان | بودكاست أصلي

التخطيط الحكيم (منهج التخطيط الإسلامي)

لماذا لا تأخذ الحكومة بأراء هيئة علماء السودان؟

القضاء و القدر : بين الإيمان و العمل | د.عبدالرحمن الحرمي

Copyright © 2026 المركز العالمي للدراسات والتدريب - All Rights Reserved.

Powered by

This website uses cookies.

We use cookies to analyze website traffic and optimize your website experience. By accepting our use of cookies, your data will be aggregated with all other user data.

DeclineAccept